ارشيف من : 2005-2008

الفوضى الخلاقة

الفوضى الخلاقة

.. كأنما كتب على هذه الأمة من محيطها إلى الخليج أن تحيا في ظل شلال القتل الدموي والموت المبرمج. هل يعقل أن يكون كل الذي يجري قدراً مكتوباً لا مرد له ولا مفر منه. وهل من جامع، أو قاسم مشترك، ينظم عقد كل هذه الحروب وعمليات الاغتيال والاقتتال وجرائم النسف والقتل من البحر والبر والجو بالعبوات والسيارات المفخخة وصولاً إلى اقتتال الاخوة.
نعم هناك قاسم مشترك يجمع كل الذي يجري تحت عنوان واحد يجب أن لا نغفل عنه ولو للحظة واحدة مهما كانت التفاصيل دموية وساخنة، إنه الفوضى الخلاّقة التي أتى بها الاحتلال الأميركي، والاحتلال المدعوم أميركياً إلى المنطقة، الاحتلال العسكري والاحتلال السياسي المؤدي إلى الاعتلال النفسي الذي لا يداوى إلا بدواء واحد، دواء المقاومة، المقاومة الواعية الحريصة المتبصرة، المدركة لأبعاد ما تقوم به في كل تفصيل وحركة وموقف في السياسة والعسكر وغيرهما من تفاصيل الحياة في ظل الاحتلال وتأثيراته.
يأتي وحش الاحتلال الأميركي الصهيوني ليعيث في الأرض فساداً، وفي البلاد تقطيعاً وتدميراً، وفي العباد تقتيلاً وتنكيلاً، فيزرع الفتنة والدمار في أرجاء العراق وفلسطين ولبنان، ومذ جاء هذا الاحتلال لم يزدهر شيء في بلادنا كما ازدهرت الجنازات والمقابر، وهل يمكن لبلد أن يبني اقتصاداً وأمناً وسياسة ودورة حياة طبيعية في ظل هذه الفوضى الخلاّقة التي أنبت شجرتها الملعونة جورج بوش مبشراً بديموقراطية تعم المنطقة كأنها دين الخلاص الجديد.
ها هم الاسرائيليون المهزومون الذين جرجروا أذيال الخيبة في لبنان قبل حوالى السنة بعد فشل عدوانهم في  تموز الماضي، قد شكلوا لجان التحقيق وخلصوا إلى  استنتاجات وعبر وأمثولات، وهم يرفعون شعارات المحاسبة والمساءلة ويعيدون رسم الخطط ورفع التوصيات، ويضعون في رأس أولوياتهم استعادة الهيبة وقدرة الردع. هم يعيدون تنظيم صفوفهم وإعداد خططهم تحضيراً لعدوان جديد. وفي المقابل، فإن هناك من لا يريد أن يعتبر الاسرائيلي المحتل عدواً، ويستمر في ممارسة نهج التسلط والاستئثار ظناً منه أنه يستطيع أن يستمر في ممارسة سياسته الشوهاء من خلال حكومة بتراء، لا ترى أبعد من أنفها بكثير..
لقد غدا واضحاً أن فريق الشياطين لا يريد للحل أن يجد طريقه في وسط المتاهة اللبنانية التي فرضها قهراً وقسراً منذ  بدأ بمسيرة تسلطه ونهجه الاستفرادي. فالمحكمة الدولية التي طالما نادى بها وجعلها شرطاً مقدماً على أي حل أصبحت أمراً واقعاً، فيما لم يرف له جفن ولم تزد حماسته أبداً لفتح الطريق أمام التسويات المنشودة، وهو ما أصبح محل استغراب العديد في الداخل والخارج حتى من حلفاء الشباطين، فهل يعرف هؤلاء حقيقة ما يريدون، إلى أين يأخذون البلد؟ يبدو أنهم يعرفون، ويعرفون جيداً.
لقد استطاب هؤلاء الاستئثار بالحكم وأعمتهم شهوة السلطة والتسلط حتى عن مجرد النظر في المآل الذي يدفعون البلد باتجاهه، ولكن يبدو أنهم لا يرون البلد إلا مزرعة لاقتسام المغانم وتوزيع الصفقات والسمسرات على طريقة ما درجوا عليه في مسيرتهم في الحكم والسياسة على مرّ العهود، غير آبهين بتبدل الظروف وتغير الأيام.
متى يستفيق هؤلاء من أحلامهم السادرة وأمانيّهم الغادرة، متى يعرف هؤلاء أن الزمن غير الزمن، والأرض غير الأرض، وأن السيد الأميركي الذي وضعوا كل بيض الرهان في سلته، يفتش عن سلة آمنة يضع فيها ما تبقى له من رهان حتى لا تضيع البقية الباقية لديه.
ـ استفيقوا أيها السادة، استفيقوا وانظروا في حقيقة ما يجري، ولا تراهنوا كثيراً على الخارج، ولا تحدقوا كثيراً في الحسابات الماضية، وعودوا إلى حسابات الداخل ومقتضيات بناء الدولة حتى تبقى لنا الدولة، لأن الناس الذين قدموا دماءهم وأبناءهم وكل ما يملكون ليحفظوا عزة وكرامة واستقلال وحرية لبنان لن يتركوه نهباً لكم وللأميركيين، عودوا إلى حسابات الداخل ومقتضيات بناء الدولة كي يبقى لنا ولكم وطن!
ابراهيم الموسوي
الانتقاد/ العدد1219 ـ على العهد ـ 15 حزيران/يونيو 2007

2007-06-15