ارشيف من : 2005-2008
عيد النصر وإرثـه
للبنانيين والعرب والمسلمين وكل الشرفاء الأحرار الذين يؤمنون بحرية الإنسان وتحرره واستقلاله، إذ جاء النصر الإلهي في العام 2006 ليتوج الانتصار الأول ويزينه بدرة الانتصارات. إذاً هي انتصارات مجيدة عزيزة دفع اللبنانيون في سبيل تحقيقها الكثير من الدماء، وقدموا في سبيلها الكثير من التضحيات.
ولكن المشهد السياسي العام في لبنان اليوم لا يبشر كثيراً بالخير، فالانقسام السياسي اللبناني على أشده، ولم ينفع وهج النصر الذي أضاء ظلمات النفوس الخاوية منذ ما يزيد على النصف قرن، والذي احتفت به شعوب الأرض عربية وإسلامية وحتى غربية أوروبية وأميركية لاتينية وآسيوية، لم ينفع هذا النصر في إقناع بعض اللبنانيين والعرب أنهم قد انتصروا، ربما لأنه كان هزيمة لمشروعهم المتكامل مع المشروع الأميركي في لبنان والمنطقة.
هي المرة الأولى التي ينتصر فيها لبنان والعرب على "اسرائيل"، ويصر البعض على اعتبارها هزيمة، في وقت لم يعترف هذا البعض يوماً بالهزيمة، وطالما ادّعى أن هزائمه المتتالية كانت انتصارات.
كان من المنتظر أن يتعاطى بعض اللبنانيين وبعض العرب مع النصرين الكبيرين بما يتجاوز الاحتفائية الخجولة في الأول، والإنكارية المجحفة في الثاني، كان من المفترض أن يكونا عيدين مجيدين للانتصارات اللبنانية والعربية، لكن البعض أسقطها من حساباته وروزنامة الأعياد، ربما لأنها لا تلتقي مع أجندته الخاصة، وكرمى لعيون الأميركي وربما أكثر أيضاً.
ليست الأمة هي التي تتنكر لمجدها وانتصاراتها، ولا هي التي تنسى أبطالها وشهداءها، بل إن أسماء قرى المواجهة البطولية في عيتا وبنت جبيل وعيترون ومارون الراس باتت على شفة كل مواطن عربي من المحيط إلى الخليج، وكذلك فإن أسماء صواريخ المقاومة وكلام قائدها أصبحت على لسان الأحرار والشرفاء في هذا العالم من الهند وماليزيا وصولاً إلى البرازيل وأفريقيا.
لقد كشف مجد النصر وتضحيات المقاومين المجاهدين واجتراحهم للبطولات بأقل عدة وعدد زيف كل ادعاءات التوازن الاستراتيجي وما كانت تتحفنا به الأنظمة الرسمية العربية من أعذار ومبررات واهية حول عدم إمكانية مواجهة العدو الاسرائيلي، فضلاً عن مقاومته وإلحاق الهزيمة النكراء به، وانتزاع انتصارات عزيزة للأمة، ويكشف هذا النصر أيضاً، أن فعل الإيمان بالله والاستعداد للجهاد والمقاومة في سبيل الوطن، والتخطيط الواعي والعمل الدؤوب المثابر المعزز بالإرادة الصلبة التي لا تلين، كلها طرق تؤدي إلى النصر لا محالة.
نخوض في العالم العربي اليوم حربين في آن معاً: حرب مواجهة الاحتلال وأعمال العدوان والأطماع الصهيونية والأميركية في أرضنا وثرواتنا ومؤسساتنا، وحرب التنمية والتطوير الثقافي والصناعي، وإحلال العدالة والمساواة، وهو ما يفترض إدخال إصلاحات وتغييرات جذرية على النظم السياسية والإدارية والاقتصادية، ويقتضي أيضاً إجراء تحولات ثقافية وفكرية عميقة تساعد في دفع مسار الأمة باتجاهات تصاعدية. ولعل أخطر ما يواجهنا في هذا المجال هو الانكشاف الكامل لشعوبنا أمام العدو، فلا الحكومات والأنظمة اضطلعت بمسؤولياتها في الدفاع عن أبنائها وأراضيها وسيادتها أمام الاحتلال واعتداءاته، ولا هي تفسح المجال أمام عجلة البناء الداخلي المؤسس على إصلاحات جذرية للانطلاق، لا بل إن كل الثروات الضخمة لهذه الشعوب تهدر خدمة للأعداء وإرضاءً لأسياد مفترضين في عواصم بعيدة ليس لها سوى الكره والحقد والتآمر على عالمنا العربي والإسلامي.
إنه التكامل بين عدوان الخارج وتآمر الداخل هو الذي يضيّع الفرص والإمكانيات ويهدر الطاقات، وحده التمسك بخيار المقاومة وما تطلقه من ديناميات حقيقية داخل مجتمعاتنا، وما تضخه من مثل وقيم أخلاقية بفعل تضحيات الأبطال، هو الذي يعيد التوازن إلى حال الأمة، ويقودها في الدرب الصحيح، وغير ذلك خيانة وتآمر، وفي أحسن الأحوال تضييع لعيد النصر وإرثه.
ابراهيم الموسوي
الانتقاد/ على العهد ـ العدد 1216 ـ 26 ايار/مايو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018