ارشيف من : 2005-2008

بيت العنكبوت

بيت العنكبوت

"إن إسرائيل هذه أوهن من بيت العنكبوت"


الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله


ينبغي التمعن ملياً في ما أفضى اليه تقرير لجنة فينوغراد من نتائج، لا بل من الضرورة بمكان أن يُشرَّح هذا التقرير الرؤيوي الذي يمكن أن يصلح اعتباره توصيفاً استراتيجياً لحال الكيان الإسرائيلي بعد مرور قرابة ستة عقود على تأسيسه.


ثمة معلومات هائلة بأهميتها أتى بها هذا التقرير، معلومات خطيرة في السياسة والعسكر والأمن والاجتماع والإدارة والاقتصاد تجب قراءتها بدقة متناهية والخروج باستنتاجات وخلاصات عملية محددة تشكل مرجعاً ومدخلاً حقيقياً لفهم كيان العدو بمكوناته وخصائصه وقدراته الحقيقية على المواجهة.


ولا تتأتى أهمية هذا التقرير من المعلومات والتقديرات التي أوردها فقط، على وجاهتها، ولا من الاعترافات التي قدمها، بل من كونه جاء انعكاساً صادقاً لحقيقة هذا الكيان وقدراته الواقعية بعد مراكمته آخر ما تحتويه ترسانات  الولايات المتحدة من الأجيال الأكثر تطوراً من الأسلحة الاستراتيجية والتكتيكية التي يبدو أن العدو أحسن استخدامها بغباء منقطع النظير من خلال عدوانه الأخير، وكذلك من خلال وضعه منظومته المتكاملة من الخطط والأفكار والتقنيات المتطورة لمحاربة شعوب المنطقة واحتلال أرضهم، والمغالاة في إثبات تفوقه النوعي الاستراتيجي على جيوشهم مجتمعة.


إن خير ما يمكن ان نطلقه من توصيف على العدو الإسرائيلي بعد انكشافه في عدوان تموز، يمكن استعارته ببساطة مطلقة من التسمية التاريخية المشهورة بأنه "نمر من ورق". صحيح أنه لا يمكن إنكار ما لمقدراته من تأثير كبير وقوة وازنة، غير أن هذا التأثير وتلك القوة قد أُعطيا قيمة أكبر مما يحتملان بكثير، الى درجة أوقعت معها كل الأنظمة العربية وصولاً الى بعض الشعوب في رهاب "إسرائيل"! لا بل إن مجرد ذكرها كان مدعاة لارتعاد فرائص الكثيرين.


طبعاً، ليس من المقصود أبداً التهوين من قدرات العدو وإمكاناته الهائلة المستندة الى خزان أميركا الكوني، وانخراطه في مشروعها الاستعماري الجديد، ولكن المطلوب هو فهم وتقدير إمكانات العدو حسب ما هي، كي تأتي التحضيرات والاستعدادات والخطط الموضوعة واقعية ودقيقة، تستطيع ليس فقط المجابهة والمواجهة، بل تحقيق النصر أيضاً، وهذا ما فعله حزب الله بالضبط في عدوان تموز الأخير.


نعم، لقد كان نصراً إلهياً بامتياز.. كان نصراً مؤزراً ومبيناً حين انقلب الصديق والحليف المحلي، وتآمر وتواطأ الشقيق الإقليمي، وقامر متهماً بالمغامرة. ولا يمكن التقليل أبداً من قيمة هذا النصر، لأن التحدي كان كبيراً وكبيراً جداً.


ولكن كل القدرات والإمكانات الإسرائيلية والدعم الأميركي ـ الغربي غير المحدود والتواطؤ العربي غير المسبوق، والتآمر المحلي الغادر برغم كل ما تقدم، فإن ذلك لم يكن كله ليشكل المعادلة الأكثر وزناً وتأثيراً في التحكم بمسار الصراع، فضلاً عن حسم نتائجه. وعليه أمكن للعدوان بنتائجه المشهودة ان يعيد خلط الأوراق في لبنان والمنطقة والعالم، وأطلق ديناميات جديدة سيكون لتداعياتها الأثر الحاسم في مستقبل الصراع السوري ـ الصهيوني.


النار أُضرمت داخل "البيت" الصهيوني، وها هو لهبها يحرق قادة العدو سياسيين وعسكريين. وها هو حزب الله يحرك بالهزيمة التي ألحقها بالعدو، الشارع الإسرائيلي الذي اعترفت قيادته رسمياً بالهزيمة، ليطلق بتداعيات نصره التظاهرات الصاخبة في شوارع تل أبيب، ما قد يودي بأولمرت وكامل الطاقم السياسي الإسرائيلي.


اذاً هي الإرادة الواعية المتبصرة والاستعداد العملي الواقعي المرتكز على الإيمان بالله والتوكل عليه، هي التي ألحقت الهزيمة بالعدو، ووضعته تحت مجهر الفحص الذي أظهر قدراته الحقيقية التي تناقض بالتمام ما درج قادتنا وساستنا وحكامنا تلقين الجماهير والشعوب عليه، في مبالغة فجة متآمرة وخائنة، بأن عدونا لا يقهر، وأن القبول باحتلاله وعدوانه وتفوقه قدر لا مرد له، فإذا به حين أتت ساعة المواجهة ودقت لحظة الحقيقة، أوهن من بيت العنكبوت. "وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون".


إبراهيم الموسوي


الانتقاد / على العهد ـ العدد 1213 ـ 4 ايار/مايو2007


2007-05-04