ارشيف من : 2005-2008
نورماندي
أزمة لبنان مستمرة وهي مرشحة للتصاعد، والمواطن يدفع من دمه وأعصابه وجنى العمر، والبلد يخسر المزيد مما تبقى له من عافية، وفريق 14 شباط المستقوي بكل الخارج الأميركي والغربي في إصراره على رفض أبسط بديهيات العمل السياسي في بلد تعددي، وهو المشاركة السياسية مع كل أطراف المعادلة الوطنية الداخلية، فكيف إذا كان هذا الرفض للمشاركة يأتي في ظل انقسام سياسي حادّ على خلفية افتراق حقيقي في الرؤية لجوهر موقع لبنان ودوره، سواء في المستوى الداخلي أم على مستوى المنطقة.
مغتصبو السلطة من منتحلي الصفات الرسمية وعلى رأسهم فؤاد السنيورة لا يألون جهداً في التواصل مع الدول والقوى الخارجية من أربع رياح الأرض، عربية وأجنبية، في حين أنهم يستغلون أية محاولة تقارب وفرصة حل حقيقية مع أفرقاء الداخل.
والمشكلة ليست في التواصل مع الأطراف الخارجية، عربية كانت أم دولية، لو أن هذا الأمر يتم لمصلحة لبنان واللبنانيين، لكنه يتم تغليباً لمصلحة فريق لبناني على فريق لبناني آخر، كما أنه يتم على حساب السيادة الوطنية، ولمصلحة تصفية حسابات سياسية خارجية.
تتصرف حكومة أمر واقع قوى الرابع عشر من شباط وكأنها حكومة جديدة استلمت السلطة للتو مع تركة ثقيلة من الديون والأعباء والخسائر وسياسات الهدر والسمسرة والإفساد، تسبب بها غيرها ممن سبقها في السلطة، في حين أن الجميع يعلم أن الفاعلين في معادلة الحكم والسلطة ما زالوا هم هم منذ أكثر من 10 سنوات، فوزارة المالية ظلت مقاليدها بيد فؤاد السنيورة على مدى عشر سنوات قبل أن يتسلم رئاسة الحكومة، فماذا فعل طيلة هذه السنوات لإنقاذ الوضع الاقتصادي والمالي، وما هو الإنجاز الوحيد الذي قدّمه هذا الفريق على مدى السنين الماضية غير زيادة العجز ورفع المديونية الى مستويات غير مسبوقة، وتكاد تكون الأعلى في العالم.
ماذا فعل فريق 14 شباط غير ضرب المؤسسات الدستورية، والتدخل في عمل القضاء، والاستجابة لمطالب الخارج، وتعميق الانقسامات الداخلية على كل المستويات، وهل يستطيع أن يسمي لنا ولو انجازاً وحيداً قام به.
فمنذ 11/11/2006 وما يسمى بمجلس الوزراء من منتحلي الصفة يقومون باتخاذ قرارات لا دستورية ومخالفة للقانون، وحكمها البطلان، ما يسهم في إضعاف البلد وتقويض مناعته، وآخر مآثرهم على هذا الصعيد كان تعيين مديرين عامين بناءً لطلب مباشر وواضح ووقح من سفير الوصاية الجديدة جيفري فيلتمان، وتحدثت وسائل الإعلام عن الموضوع ولم تكلف حكومة أمر الواقع نفسها عناء التعليق على الموضوع، فهي قررت منذ زمن بعيد أن لا يرف لها جفن مهما حصل.
فريق 14 شباط بكل ملحقاته وتنوعاته، ما زال يراهن على حدث ما إقليمي أو محلي، يعيد خلط الأوراق في الساحتين الإقليمية والدولية بما يكسبه أوراقاً أكثر قوة تمكنه من فرض رؤيته و"أجندته" السياسية على الجميع، في حين أن المشهد الإقليمي ذاهب عكس ما يشتهي هذا الفريق تماماً، وتقطيع الوقت وتضييعه تبعاً لمراهنات خاسرة هو سمة الموقف السياسي لقوى 14 شباط، فماذا سيفعل هؤلاء غداً، إذا تمت تسوية الحسابات الكبيرة في المنطقة من دون أن يكون لهم حساب، وإذا كان فعلى حسابهم أيضاً. لماذا يظن هؤلاء أن الولايات المتحدة ستخوض حروباً جديدة كرمى لعيونهم وهي التي تلهث باحثة عن خروج يحفظ لها ماء الوجه من مستنقع العراق، أو أنها ستدخلهم في صفقاتها اذا ما تمت صياغة تسويات اللحظة الحرجة.
يستطيع أدعياء السيادة والاستقلال الجدد أن يفخروا الآن، وبعد ما أنجزوه من عرائض استدعاء التدخل الدولي أنهم تخلوا طوعاً عن سيادة بلدهم. وتطوعوا بوضعه تحت انتداب ووصاية دوليين جديدين، ولهم أيضاً أن يتباهوا بإنجازاتهم الرائدة في ميادين صب الشاي للعدو، وطعن المقاومة في الظهر، ومحاولة تحقيق الحلم الاسرائيلي والأعز على قلوب كل قادة العدو من الصهاينة، وهو نزع سلاح المقاومة.
آخر انجازات هذا الفريق الموغل في سيادته وحريته واستقلاله، مأثرته في مكب النورماندي التي لم يجد لها مكاناً سوى بتوزيع نفاياتها على مناطق لبنانية عديدة ما استدعى انتفاضة من أهالي هذه المناطق، ولا سيما المحسوبين على فريق 14 شباط الذين هالهم ما جرى، فيما لاذت قيادات ذاك الفريق بصمت ثقيل ومريب.
انها سياسة مكب النورماندي يطبقها فريق 14 شباط في كل شيء، في السياسة والاقتصاد والأمن والمال. انها سياسة إطفاء الفضيحة بفضيحة أكبر، في مسلسل لا ينتهي من الفضائح التي لم يسبقهم اليها أحد. يبدو أن فريق المتسلطين من قوى 14 شباط قرر أن يكون الأول فضائحياً ليس بما جرى حتى الآن، بل بشكل لا يمكن ان يجاوزه أحد في المستقبل أيضاً، ومن يَعِشْ يَرَ.
إبراهيم الموسوي
الانتقاد/ العدد1212 ـ 27 نيسان/أبريل 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018