ارشيف من : 2005-2008

تكرار

تكرار

لم تحمل القمة العربية معها أي جديد للبنان، ولا هي قدمت شيئاً ذا قيمة للمنطقة بشكل عام، قمة عربية تقليدية، وإن حاول البعض إضفاء طابع التفاؤل عليها، لكنها قمة أخرى من قمم التسليم بالعجز والإقرار بالأمر الواقع، لا يميزها عن غيرها سوى بعض الإنشائيات الخطابية التي انطوت على ارتفاع نبرة بعض القادة، والرقم الجديد الذي تحمله في سجل القمم السابقة.‏

نعم لا بدّ أن نلحظ بعض التمايز في انتقاد بعض العرب للإدارة الاميركية لاحتلالها العراق، ولا بدّ أن نسجّل تحية هذه القمة للمقاومة في لبنان، ولكن وفي الوقت عينه لا يمكن أن نتغافل أن هذه القمة تأتي بعد سلسلة من الأحداث الخطيرة التي لا يزال العرب يعيشون في ظل تداعياتها الخطيرة التي فتحت المنطقة برمتها على رياح التغيير، كذلك في ظل تهديدات بحرب جديدة على ايران، لن تنجو المنطقة برمتها من آثارها.‏

أول هذه الأحداث، هو حدث الحرب الأميركية على العراق قبل 4 سنوات، وثانيها الحرب العدوانية الاسرائيلية ـ الاميركية على لبنان في تموز من العام الماضي، وثالثها، الحرب الصهيونية المستمرة لتصفية القضية الفلسطينية.‏

إزاء ذلك كله، رفعت شعوب المنطقة من مستوى استعدادها لمواجهة التهديدات، واستطاع الفلسطينيون تفويت مخطط الحرب الأهلية التي سعت واشنطن وتل ابيب جاهدتين لإشعال نارها بين الأخوة أبناء القضية الواحدة، واستطاعت لعبة الديمقراطية التي أرادتها واشنطن "ديناً" جديداً يزخّم تأثيرها ونفوذها في المنطقة أن تأتي بعكس ما أرادته إدارة بوش، فأصبحت حماس على رأس حكومة فلسطين.‏

كذلك تمكن حزب الله وحلفاؤه من إحراز نصر مبين ضد الصهاينة المدعومين أميركياً وأوروبياً في عدوان تموز من العام المنصرم، ما أرخى بتداعياته الهامة انقساماً هائلاً في كيان العدو، مع انهيار منظومة الردع الصهيونية وسقوط هيبة الجيش الذي لا يقهر إلى حضيض لم يسبق له مثيل.. ولم تفلح خطط واشنطن في الداخل اللبناني في التقدم خطوة واحدة باتجاه أهدافها المرسومة بسبب التفاف غالبية اللبنانيين حول المعارضة الوطنية.‏

وفي العراق، أثبتت المقاومة العراقية قدرتها على مقارعة العدو المحتل.. وإلحاق أفدح الخسائر بجنوده وآلياته، وإفشال مخططاته للسيطرة على مقدّرات وثروات هذا البلد، ولم تستطع حملات الترهيب الاميركية أن تفت في عضد سوريا ومواقفها المساندة للمقاومة وحركات التحرر العربية، وتراجعت وتيرة تهديداتها إلى الوراء بعد أن كانت تهدد وتخطط مع بعض حلفائها الأوروبيين واللبنانيين لاقتلاع النظام السوري.‏

في هذا الوقت، كانت روسيا تسترد أنفاسها لتبدأ بإعادة الإمساك بملفاتها بما يشبه التمهيد لعودة الحرب الباردة، وعدم السماح لواشنطن باستباحة المنطقة والتفرد بها. أما الجمهورية الإسلامية في ايران، فقد ظلت ثابتة عند مواقفها الداعمة لكل خط المقاومة والممانعة من أنظمة وحركات مقاومة وتحرر، ولم تتراجع قيد أنملة عن حقها في تطوير مشروعها النووي السلمي.‏

كان على عرب القمة أن يقرأوا كل هذه المتغيرات جيداً، وأن يحسنوا إعادة قراءة الواقع بما يتناسب مع الوقائع الجديدة، ويقوموا بعد ذلك بصياغة مواقف استراتيجية ترقى إلى مستوى الأحداث، آخذين بعين الاعتبار كل هذه المتغيرات التي تصب في مصلحة شعوبهم، أو على الأقل لا تخدم مصلحة واشنطن.‏

ولكن، وعلى جاري العادة، أصبح مقياس النجاح عند العرب، هو مجرد انعقاد القمة! لأن مجرد انعقادها أصبح مطلباً، بل إنجازاً بحد ذاته، فإذا ما انعقدت القمة من دون حصول خلافات وانقسامات فتلك غاية يعزّ الوصول اليها، أما اذا لم تكن القمة محطة في محطات التنازل، فإذ ذاك يحق للعرب الاحتفال بها احتفاءهم بالنصر.‏

كذا هو حال العرب وقممهم في هذا الزمان، وهو ما كان عليه أيضاً قبل زمن، ولكن على أنظمة العرب الآن أن تنتظر المزيد من شعوبها التي أثبتت جدارتها في تحمل المسؤولية التاريخية، والمطلوب منها فقط عدم العرقلة والتخريب على إرادة هذه الشعوب التي ارتضت أن تقارع أعداءها وحيدة.‏

إنها ثمرة أخرى من الثمار المباركة لانتصارات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، أن الأنظمة باتت تخجل أو بالأحرى تخشى من التفريط بالمزيد من الحقوق، فعسى أن تكون هذه المرحلة بداية العودة إلى خط التمسك بالحقوق، وربما البدء بمسيرة استعادتها أيضاً.‏

إبراهيم الموسوي‏

الانتقاد/ العدد 1208 ـ على العهد ـ 30 آذار/مارس2007‏

2007-03-30