ارشيف من : 2005-2008

رجل السكينة

رجل السكينة

المتاعب، وأما المعلقة فتلك التي لم يقدّر الله لي أن أتتلمذ فيها عليه في مدرسته الصحافية الرائدة، حيث بقيت زمالتي له معلّقة في كل من "السفير" و"الأخبار" لأسباب وأسباب.‏

غير أن ذلك لم يمنع وابل خير غيثه أن يصيبني، فيروي كبداً حرّى وتربة لهفى، لقد أصابني منه من خيرٍ ما قد يراه الكثيرون قليلاً، لكنه في عرفي ويقيني كثير كثير.. لغيري أن يقص حديث الذكريات والنوادر، ولي أن أقتبس العبرة من كل ذلك لأقيم في محرابه الصحافي.‏

أذكر أنه كلّما اشتبكت المعطيات، وتداخلت تعقيدات الأحداث محلية وإقليمية ودولية، والتبس الرأي حتى على أولي البصيرة، فآثروا الانكفاء وعدم إعطاء الرأي، أو اختاروا مسافة وسطية لا تحرجهم كيفما جاءت النتيجة، كانت السكينة تعانق نفسه أبداً، وكان يخرج إلى الضوء قراءة للأحداث ساطعة الوضوح لا لبس فيها أبداً. لم تختلط عليه الوقائع قط، ولا اختار يوماً قراءة مواربة، كانت مرآة فكره كمرآة نفسه خالصة النقاء، بالغة الصفاء، قادرة على تخليص المشهد من كل ما يعتريه من شوائب وكدورات ليعكسه بكلامٍ واضح ليس له مثيل.‏

عندما كنا نناقش في مسألة أو أمر، وبعد أن يحسب الجمع أن الموضوع قد استوفى حقه، وأشبع تمحيصاً، ولم يعد هناك مجال لأن يقال فيه حرف واحد، كان يطالعنا بقراءةٍ أخرى متكاملة، مدروسة، محسوبة بدقة، مشدودة إلى اركان لها، كأنها معادلة رياضية لا مجال لنقضها والتحايل عليها، على أن السمة الانسانية الأكثر حضوراً في شخصيته الصحافية الشامخة، وقامته الانسانية الفارعة، هي التواضع، أمر لم يتأتَّ حتى لمن ليس لديهم ربع قامته، هذا التواضع الأصيل غير المتكلف.‏

عندما تعرفت اليه في المرة الأولى، سرّني منه هذا الاهتمام، وحسبت لفترةٍ أن الرجل قد حباني برعايةٍ خاصة، غير أني سرعان ما اكتشفت، ونفسي تملأها الغبطة، أن جوزف هو هو مع كل الناس، هو يتكلم مع النادل الذي يجلب له قهوته الصباحية، ويصغي اليه باهتمام كلي إذا ما أراد أن يحدثه بشيء تماماً كما لو كان يتكلم مع رئيس دولة عظمى، وينصح تلميذاً متعثراً في خياراته الدراسية بالاهتمام والاخلاص الذي ينصح فيه رئيس دولة أو قائداً كبيراً حول خياراته المستقبلية في الإدارة والحكم.‏

أذكر ذات مرة في منتصف التسعينات وكنت أعمل في العلاقات الاعلامية في حزب الله أني اتصلت هاتفياً بـ"السفير" لإبلاغهم ببيان عاجل، على الخط الآخر كان جوزف سماحة "كيف أستطيع أن أخدمك" أجابني، فقلت له مرتبكاً : أريد محرراً أو أي شخص في الصفحة المحلية. سألني لماذا؟ قلت له أريد أن أبلغه ببيان عاجل، فقال ابدأ بالقراءة، فالقلم في يدي.. يا الله كم أنت كبير يا جوزف، وكم كبرت في نفسي يومها، كم رئيس تحرير، مدير تحرير، مسؤول صفحة ما، محرر ما، يقبل أن يفعل ذلك، ولا يظن أنه فقد "شيئاً من مكانته"، لكن جوزف صاحب السماحة، فعلها متطوعاً وبكل نبل وطيبة خاطر، هذا رجل يقيم في السكينة، على حد الرجاء والأمل، لا أذكر أن همومه كانت في يوم من الأيام خاصة، همومه كانت أبداً مفتوحة على العامّ، والإنساني والأخلاقي.‏

وهكذا، وجد جوزف سماحة نفسه، بكل تصميم وإرادة حرة واعية ومتبصرة، منحازاً إلى معسكر المقاومة، المقاومة بكل وجوهها، مقاومة الاحتلال والعدوان والعولمة المدمرة. مقاومة إفقار الناس وتجهيلهم، وتركهم نهباً للأمراض الصحية والاجتماعية. مقاومة مشاريع الهيمنة والاستئثار.‏

لم يكن ممكناً أن يكون جوزف سماحة في غير هذا الخط، وظل منذ البداية أميناً وفياً لمبادئه وأفكاره. لم ترهبه تبدلات موازين القوى، ولا أقام وزناً لسلطة تأتي وأخرى تروح، بل كان ضميره المهني ونزاهته وشفافيته وتلك الروح العيسوية المتأصلة في جوّانيته الطاهرة هي التي تملي عليه مواقفه وآراءه.‏

كل ذلك مع حصافة في الرأي، وحكمة في الفكر، ورصانة في التعبير، حتى أقام على حدود الاحترام، لم يخنه تعبير ولا نبا به قول، فكأنه هُدي إلى جميل القول وحُسن الفعل.‏

جوزف سماحة، من كان مثلك لا يقال له وداعاً، من كان له مثل مبادئك السامية وأهدافك النبيلة لا يموت ولا يغيب، وقد اشتققنا منك المعنى والمبنى والحضور.‏

إبراهيم الموسوي‏

الانتقاد/ على العهد ـ العدد1204 ـ 2 آذار/مارس2007‏

2007-03-02