ارشيف من : 2005-2008

مراوحة

مراوحة

التفاؤلية والكلام عن بشارات للحل قد تبددت وتراجعت لمصلحة عودة التشنج السياسي تراشقاً كلامياً، وخيارات تصعيدية.‏

بدا واضحاً للعديد من القادة السياسيين في البلد، ولا سيما من قادة المعارضة أو المهتمين بإيجاد حلول للأزمة المتفاقمة، وكذلك للعديد من المراقبين، أن قراراً أميركياً متخذاً على أعلى المستويات يمنع إنجاز أي حل قريب، حتى ولو كان عن طريق حلفاء واشنطن الإقليميين ممن تسميهم الادارة الاميركية بدول حلف الاعتدال، ولكن هذه الارادة الاميركية بعرقلة وإحباط مساعي الحل لم تمنع دولاً إقليمية فاعلة من استمرار دعم المساعي لمنع انزلاق الوضع اللبناني إلى مهاوي الفتنة المذهبية والاقتتال الداخلي الذي تتعامل معه قوى المعارضة على أساس أنه خط أحمر، في حين تسعى اليه بعض قوى 14 شباط، ولا سيما وليد جنبلاط وسمير جعجع، على أساس أنه خشبة الخلاص الوحيدة لمشروعيهما المتعثرين.‏

كانت الأمور مجدداً قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى حل، ولكن كلمة السر الاميركية جاءت مجدداً لقوى 14 شباط، فعادت الأمور إلى نقطة الصفر، كما حصل في مرات سابقة. وإذا كانت واشنطن قد عرقلت الحل لأسباب تصل بحسابات عديدة أبرزها مراهنتها على نجاح خطة بغداد، ما قد يعطي لمشروعها في المنطقة زخماً أكبر يمكّنها من رفد القوى المحسوبة عليها في لبنان بمزيد من الدعم، ما يحسّن شروطهم في المعركة القائمة، وبالتالي يخدم مشروع واشنطن بشكل عام، فإن ثمة أطرافاً داخلية من 14 شباط أيضاً تعرقل الحل بصورة مطلقة، في ظل موازين القوى الحالية، لأنها ستفقد في حال انجاز الحلول راهناً الكثير من مكتسباتها، فضلاً عما تصبو اليه من مشاريع ضيّقة لا تخدم سوى مصلحتها المباشرة.‏

إذاً، والحالة هذه فإن المرجح أن تنتج كل الحركة السياسية المتجددة أقل مما هو متوقع، لينخفض سقف التوقعات إلى مستوى التهدئة وتبريد الأجواء الساخنة في أحسن الأحوال، من دون الولوج إلى المدخل الحقيقي للحل.‏

وثمة ما يساعد اقليمياً في هذا الاتجاه، ويتمثل في الرغبة السعودية بإنجاح القمة العربية في النصف الثاني من آذار/ مارس المقبل، والتخوف من انزلاق البلد إلى هوة الفلتان، ما قد لا يمكن تدارك مفاعيله ومترتباته في غير مكان، غير أن إمكانية المراوحة داخل المأزق في ظل جمود الأوضاع السياسية وهدوء الأوضاع الأمنية قد يكون تفاؤلاً مبالغاً فيه بحسب بعض المراقبين، الذين يرون ان بعض الأطراف في 14 شباط يسعون لدفع الوضع نحو التوتر، وبالتالي الصدام، لأن لا مصلحة لهم في التهدئة ولو كانت آنية، لأنها لا تخدم مشاريعهم اللاحقة القائمة على تأزيم الوضع وتفجيره كلياً، كي يكون لهم شراكة في قبض أثمان الحل الذي سيأتي بعد ذلك، ولعل نُذر الشؤم في هذا الإطار قد بدأت تتفاعل بقوة، وأبرزها ما جاء من خلال اجتماع الأردن قبل أيام لقادة أجهزة استخبارات بعض الدول العربية برئاسة وزيرة الخارجية الاميركية، ما يطرح تساؤلات وشكوكاً كبيرة حول الهدف من هذا الاجتماع، وما تريده واشنطن لهذه الدول ان تقوم به من أدوار بالنسبة للمنطقة ولبنان، ولا سيما بعد أن أعلنت هذا الأخير خط دفاع أول عن مشاريعها في المنطقة. اذ لا ينتظر من اجتماعات كهذه الا ان تجلب الويلات والشرور، ومتى فعلت واشنطن غير ذلك! وقد تزامن ذلك مع معلومات متوافرة عن تدفق شحنات أسلحة متنوعة ومتطورة، مصدرها إحدى الدول العربية كتجهيزات دعم عسكري لفريق 14 شباط، طبعاً مع تعدد الروايات عن أعمال التدريب لأعداد من الشبان في دولة عربية أخرى كجزء من استعدادات هذا الفريق.‏

وبالمقابل، فإن المعارضة لا تزال تنتظر القرارات الشجاعة التي لوّح بها رئيس تيار المستقبل سعد الحريري من أجل استكمال المساعي لإخراج البلد من الأزمة الراهنة، ويبدو أن هذه القرارات الشجاعة يجب أن تتوج بقيام الحريري بإظهار تمايزه سياسياً عن حليفيه جنبلاط وجعجع، وهو ما سبق أن فعله في مرات سابقة، منها كلامه في 14 شباط الذي فتح باباً للتسوية في حين أن كلام حليفيه قد أوصد كل أبواب التسويات والحلول، فهل يقدم الحريري على هذه الخطوة التي تعيد التوازن وبعض الاتزان الى الرؤوس الحامية في 14 شباط.‏

المطلوب خطوات تمايز فعلية تحفظ الوطن وأهله، وتتيح حلولاً مقبولة من الجميع، وخاصة أن المعارضة تطرح مطالب متواضعة ومعقولة. وإلا فإن البديل هو الاستمرار في المراوحة داخل المأزق الذي وضعت السلطة المتحكمة البلد فيه في ظل مراكمة المعارضة المزيد من أوراق القوة، واحتفاظها بالعديد من الخيارات البديلة الضاغطة التي قد يكون العصيان المدني أحد عناوينها المستقبلية القريبة.‏

ابراهيم الموسوي‏

الانتقاد/ العدد1203 ـ 23 شباط/فبراير2007‏

2007-02-23