ارشيف من : 2005-2008
عاشوراء الموقف والكلمة
التدبير.
عاشوراء هذا العام، جاءت بعد النصر الإلهي في تموز، يوم لم تنفع كل قرقعة السلاح وتقنياته المتطورة، واحتشاد أمم الأرض في عدوانها ضدنا، وتآمر بعض الداخل علينا، وضراوة القتال، في أن تفت في عضد مجاهدينا الأبطال، أو تفل عزائمهم، أو تزل أقدامهم، أو تجعلهم يحيدون قيد أنملة عن الخط الذي اختطه الله لهم وارتضوه هم لأنفسهم.
عاشوراء هذا العام، تكثف نوعي هائل، لمعانٍ ووقائع مختلفة، هي ملحمة البطولة والصمود، وأسطورة الانتصار والمجد، وعظمة الترفع والصبر، وقمة التضحية والإيثار، هي تجسد المدد الإلهي في نصرٍ أنجزته ثلة من المؤمنين ضد جحافل عدو جرّار مسلّح حتى أظافره بأحدث سلاح أنتجته ترسانة واشنطن، إنها الوعد الإلهي بالنصر الإلهي الذي كان وسيكون.
وما إن وضعت الحرب أوزارها حتى بدأت حرب أخرى في الداخل، تريد أن تحقق ما عجزت عنه حرب تموز، وهنا ظهر تجسّد آخر لمدرسة عاشوراء في الجلد والصبر والإيثار والتضحية وعدم الاغترار، فالمقاومة التي تتلمذت في مدرسة الإمام الحسين(ع) لم تغرّها نشوة النصر، ولا وقعت في فتنة الغرور، لكنها أسلمت أمرها لقيادة واعية ومدبرة، قلّبت الأمر من كل وجوهه، فرأت الفتنة تطل برأسها لتذر بقرنها، فأقفلت بابها دون ريحها، وأصحرت بالكلام والمواقف صريخها، حتى إذا ما بلغ القوم أعتى غلوهم، وأدلوا في الفتنة بكل دلوهم، جاءهم كلام سيد الكلمة في اليوم العاشر من المحرم، أن الزموا حدود مقتضى الأمر، واتقوا فتنة تكون شراً ووبالاً على الجميع، والتزموا بالحل السياسي لأن الحل لن يكون إلا كذلك.
كلام السيد، الذي جاء من موقع المقتدر المتبصر أراح الوضع السياسي بعد كثير التأزم، وأطلق جملة ثوابت حقيقية، وفتح الأبواب أمام ديناميات تلتقي مع المبادرات لعلّ مساعي الخير تفلح في دفع عجلة الحل نحو الأمام.
إذاً، إنه تكثف المعاني والدلالات وتجسد الالتزام الحقيقي بالمنهج الحسيني الذي رسخته مدرسة عاشوراء، فهنا تجليات واضحة لثمرات هذا النهج في التضحية بالدماء ضد العدو، وبذل أقصى الجهد لتوفير وتحصين السلم الأهلي في الداخل، ومن هنا، يغدو الكلام متجاوزاً لكل ما عهدناه ونعهده في السياسة من حرتقات وبازارات، ليفتح الباب واسعاً أمام الكلام على القيمة الأخلاقية العليا، والمنهج النبيل السامي الذي يقدّم مصلحة الوطن والناس على كل مصلحة فئوية ضيقة، طائفية كانت أم مذهبية.
وهنا يبرز الدور البنّاء للدين، بما هو انفتاح حقيقي على هموم الوطن ومصلحة الناس كل الناس، وليس كتقوقع داخلي في شرنقة المذهب أو قمقم الطائفة.
انها منظومة متكاملة من القيم السامية، في القول والعمل، في الموقف والفعل، جسدتها وتجسدها المقاومة قيادة وأفراداً، لتضخ في جسد الوطن مناعةً وقوة، وبين طوائفه وفئاته ثقة وصدقية.
عاشوراء هذه مدرسة رائدة للإنسانية جمعاء، دوحة مباركة يتفيأ في ظلال أغصانها المديدة الوارفة كل محب للخير والحق والعدل والجمال والسمو والنهضة والتضحية، وهي منهل عذب صاف، ومعين وضاء، شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، وللعباد دورهم الأساس، لأن لله عباداً إذا أرادوا أراد.
ابراهيم الموسوي
الانتقاد/ على العهد ـ العدد1200 ـ2/2/2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018