ارشيف من : 2005-2008

فصل المقال

فصل المقال

سياق مواجهتها مع حكومة الأمر الواقع المنتحلة صفة الحكومة الشرعية للبنان، برئاسة المدعو فؤاد السنيورة، إذ استطاعت شل البلد بالكامل من أقصاه إلى أقصاه، وأمكن لها اختراق ما كانت تعتبره قوى "14 الغدر" معاقل لها في مناطق عدة في الشمال وبيروت والجنوب.‏

وقد أنتج يوم الإضراب الشامل جملة دلالات وملاحظات بالغة الأهمية في السياسة اللبنانية الداخلية:‏

أولاً: تتجلى فرادة الإنجاز بقدرة الانضباط العالية التي تحلّت بها قوى المعارضة مجتمعة، والتي كان من المقدّر لها أن تسمح بمرور الإضراب العام يوم الثلاثاء الفائت من دون تسجيل أي حادث يذكر لولا قيام ميليشيات السلطة المؤلفة من الخليط الهجين لما يسمى بـ"القوات اللبنانية" وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي بالاعتداء المسلح على المضربين والمعتصمين، وإطلاق النار عليهم، ما أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى في مناطق مختلفة من لبنان.‏

إن اتساع رقعة الإضراب وشموله الأراضي اللبنانية كافة، أثبت بما لا يدع مجالاً للشك هشاشة الركيزة الشعبية التي تستند اليها قوى السلطة، كما أثبت سقوط منطق المناطق الصافية أو القلاع المحصنة لأي من تياراتها الميليشياوية سواء في منطقة الشمال حيث كانت المفاجأة في طرابلس وعكار من خلال التجمعات المعارضة التي نزلت بقوة إلى الشارع حيث كان يراهن تيار المستقبل وميليشياته على أن هذه المنطقة خاضعة خضوعاً كاملاً لنفوذه، وكذلك حدث الأمر نفسه في مناطق كسروان والبترون وجبل لبنان، حيث أثبت التيار الوطني الحر حضوره الكاسح في الساحة برغم الممارسات الإرهابية وأعمال القتل التي نفذها ميليشياويو القوات اللبنانية في منطقتي الضبية ونهر الكلب.‏

المشهد نفسه كان حاضراً في مناطق الجبل في جبل لبنان من الحازمية وصولاً إلى صوفر، حيث لم تفلح اعتداءات ميليشيات الحزب التقدمي في منع جماهير المعارضة وأنصارها من التعبير عن موقفهم الرافض لسياسات السلطة، ليتبدى في النهاية مشهد لبناني متكامل وشامل في الاعتراض على حكومة الأمر الواقع وسياساتها التسلطية الاستئثارية.‏

الدلالة الثالثة التي حملها الإضراب هي قدرة قوى المعارضة على كسر حاجز الترهيب المعنوي والنفسي الذي دأبت قوى الاستئثار السلطوي بالتهويل به والتخويف منه لجهة التهديد بانزلاق البلد إلى فتنة طائفية ومذهبية كمدخل للحرب الأهلية، وقد استنفرت ميليشيات السلطة لهذه الغاية كل أسلحتها وانتهكت كل المحظورات مستخدمة التحريض الفئوي والمذهبي، ومتوسلة الدين وفتاواه كرافعة معنوية لأدائها المتهالك.‏

الدلالة الرابعة: ان كل الدعم الخارجي الأوروبي والاميركي والاقليمي العربي، لم ينفع قوى التسلط والاستئثار المتمثلة بقوى (14 الغدر) من أن تستطيع إحداث ولو توازن جزئي يسير مع المعارضة، وللمراقب أن يتصور حال هذه القوى لو أن الدعم الاميركي غاب عنها ليومٍ واحد.‏

الدلالة الخامسة: أن المعارضة التي انتهجت الديموقراطية واللاعنف سبيلاً للتغيير، ووجهت من قبل قوى السلطة بالعنف وإهراق الدم، حيث استعاضت حكومة الأمر الواقع عن القوى الأمنية الشرعية من جيش وقوى أمن داخلي بعد أن فشلت في زجهما في خدمة مصالحها في الصراع بدفع ميليشياتها المسلحة للقيام بذلك، وهو ما يبرهن عقم منطق هؤلاء وخواء كلامهم وتبجحهم بالحفاظ على دولة المؤسسات الشرعية.‏

وهذا يفتح بالضرورة الكلام على مؤسسة الجيش التي كانت أكثر حكمة وتوازناً في أدائها، وهي المؤسسة التنفيذية من السلطة المتحكمة بالقرار السياسي التي أرادت للجيش أن يندمج في مواجهة أهله المعتصمين والمضربين، وهو ما يثبت مرة جديدة وبالملموس وطنية هذا الجيش وصحة قواعده كمؤسسة بنيت على أسس ثابتة لا تهزها الأحداث والمتغيرات.‏

الدلالة السادسة: هي ثبات المعارضة واتساق خطابها السياسي والاعلامي المتوازن مع مطالبها، وبرنامجها التصعيدي المتدحرج من خلال اعتماد سياسة النفس الطويل الذي أسقط من يد السلطة المتحكمة كل حجة وكل ذريعة يمكن أن تستخدمها لدرء الاتهامات والشبهات عنها، إذ بعد ما يقرب من الشهرين من تحركها ما زالت المعارضة تضغط باتجاه تحقيق المطالب نفسها التي بدأت المطالبة بها منذ اللحظة الأولى لتحركها، وهو موضوع المشاركة في القرار، ولا سيما القرارات المصيرية منها، على عكس ما تفعله قوى الاستئثار التي تزور مطالب المعارضة وتتهمها بالسعي لمصادرة قرار البلد، فيما تقوم هي بمصادرة هذا القرار وتمعن في اساءة استخدامه إلى الحد الأقصى.‏

وباختصار، فإن ما جرى يوم الثلاثاء الماضي كان يوماً مشهوداً بكل ما للكلمة من معنى، مشحوناً بالدلالات والعبر التي يفترض بقوى الاستئثار أن لا تخطئ قراءتها وتفسيرها هذه المرة أيضاً، بعد أن ضاقت هوامش المناورة والمغامرة أمامها، فماذا سيكون موقف حكومة الأمر الواقع وقد أصبحت الكرة في ملعبها منذ زمن، وأتتها الرسالة البليغة الأخيرة، هل تستجيب أخيراً، أم تستمر في لعبة التعنت والمكابرة، هذا ما ستجيب عنه الأيام القليلة المقبلة، وإن غداً لناظره قريب!‏

ابراهيم الموسوي‏

الانتقاد/ العدد 1199 ـ 26/01/2007‏

2007-01-26