ارشيف من : 2005-2008
النصر الإلهي مجدداً
افتتاح لمرحلة جديدة من مراحل التحرك المتصاعد لقوى المعارضة اللبنانية المطالبة بالمشاركة وضمان تمثيل قواها الحية في حكومة جديدة تكون ضمانة كي لا ينزلق لبنان باتجاه سياسة المحاور المعادية للبلد وجذوره التاريخية ومواقفه الثابتة في موقعه من الصراع في المنطقة، إضافة إلى ما يمكن أن يحدثه معطى المشاركة هذا من بدءٍ حقيقي لعملية الإصلاح الجوهرية في بنية النظام السياسي والاقتصادي التي لطالما كانت سبباً أساسياً من أسباب فشل الصيغة اللبنانية في استيعاب المتغيرات السياسية في الداخل والخارج.
المعارضة قدّمت حتى الآن الكثير، وكذلك السلطة، ولكن كل في اتجاه معاكس، فالمعارضة انفتحت منذ البداية على أفق الوساطات والحل، إذ لم تضع شروطاً تعجيزية للخروج من الأزمة، ولا هي قدمت سقفاً مطلبياً مرتفعاً للقبول بالتفاوض، كما أنها أفسحت في المجال كثيراً أمام سعاة الخير وإصلاح ذات البين، وفي المقابل، فإن قوى السلطة، وكعادة أهل السلطة دائماً، التقطت إشارات المعارضة بالطريقة الخطأ، وافترضت أن تحرك المعارضة سوف يضعف، ثم لا يفتأ أن ينفرط عقده مع مرور الوقت، مراهنة دوماً على أمرين: على إحباط المعارضة وجمهورها ويأسهما من امكانية حدوث التغيير، والاعتماد المطلق على الدعم شبه اليومي للإدارة الاميركية ممثلة بمندوبها "السامي" في لبنان جيفري فيلتمان، وجرعات الأمصال اليومية التي يضخها قادة الإدارة الاميركية وعلى رأسهم بوش لقوى السلطة ممثلة بفريق 14 شباط، وعلى رأسهم منتحل صفة رئيس حكومة لبنان المدعو فؤاد السنيورة.
وبناءً عليه فقد أجهزت قوى السلطة على المبادرات والوساطات التي حدثت، وأدارت ظهرها لأغلبية حقيقية من اللبنانيين ممثلة بجمهور المعارضة، معبرة بذلك عن انعدام حسّ المسؤولية، واندفاعٍ غير محسوب وراء الالتزام بتوجيهات فيلتمان.
وإزاء ذلك كله، تكون المعارضة اللبنانية قد أعطت من الفرص الكثير، ويكون تدشين المرحلة الوشيكة من التحرك قد استحق منذ زمن، وتكون بالتالي مبرأة الذمة أمام الداخل والخارج إزاء ما يمكن ان تقدم عليه من خطوات أو تتخذه من اجراءات لضمان بلوغها الأهداف المنشودة التي رسمتها، والتي تبقى في كل حال أقلّ بكثير مما يطالب به الشارع، خصوصاً بعد أن لمس إيغال المتسلطين على الحكم اليوم في عدم احترامهم لمطالبه وتجاهلهم الكامل لما ينادي به مما يعتبر من بديهيات المشاركة في مجتمع تعددي كالمجتمع اللبناني.
طبعاً، فإن ما تقدم لا يعني بالضرورة ان التصعيد النوعي للمعارضة سيفضي حكماً إلى حسم سريع للمسائل، ذلك ان ما قامت به المعارضة حتى الآن من تظاهرات مليونية واعتصامات احتجاجية متنقلة كان أكثر من كافٍ لإسقاط خمسين حكومة، لو أن الأمور تجري مجرى الممارسة الديموقراطية، أو لو كان فريق مغتصبي السلطة وعلى رأسهم فؤاد السنيورة يحترمون أنفسهم أولاً قبل الناس، لكن ما دام أن المعارضة قد أخذت على نفسها سلوك السبل الديموقراطية والسلمية للتغيير، وحاذرت الإضرار بمصالح الناس على الحد الأقصى، فقد كان طبيعياً أن تطول العملية إلى الوقت الحالي، فضلاً عن مسألة أخرى أيضاً تصب في نفس الاتجاه مما سبق ذكره لجهة الدعم الخارجي الاوروبي والاميركي تحديداً لفريق مغتصبي السلطة.
على أن الهدية الحقيقية للوطنيين في هذا البلد، جاءت من فلسطين المحتلة هذه المرة أيضاً، ومن بركات ثمار النصر الإلهي في حرب الـ33 يوماً في تموز الماضي، حيث أطاحت النتائج المتدحرجة للهزيمة الصهيونية برئيس أركان جيش الاحتلال دان حلوتس الذي قاد عدوان تموز ضد لبنان، ومن المتوقع أن تأخذ استقالته معها بأسماء أخرى قريباً، ما يكشف بعد مضي خمسة شهور على العدوان عمق المأزق الصهيوني من تداعيات فشله في لبنان، وإذا كان من عبرةٍ تستخلص في هذا المجال، فهي أن إرادة الشعوب وتضحياتها وإيمانها بقضاياها لا يمكن إلا أن تثمر نصراً حقيقياً مؤزراً يؤتي أكله في كل حين.
لقد جاءت استقالة حلوتس لتعيد تصويب بوصلة الصراع، وتذكير الذين تناسوا مجازر "اسرائيل" في لبنان، واحتلالها وعدوانها، وانطلقوا يشككون بالمقاومة ويحاولون محاصرة سلاحها متوسلين بذل دعم الخارج، أياً كان هذا الخارج، متناسين ان الارادة الحقيقية لا يمكن أن تكون ثمرة املاءات خارجية دخيلة ومتطفلة على الوضع الداخلي.
هو النصر الإلهي الذي سيبقى النقطة الأكثر اضاءة وإشعاعاً برغم كل ضجيج الداخل وعويل وتهويل الخارج، سيبقى يعطي الجنى والثمار في كل موسم، وسوف يظلل ببركاته وكراماته وألطافه كل المؤمنين بالحرية والسيادة والاستقلال بمعناها الحقيقي الكامل، ملحمة أسطورية للوجود تحاكي تضحيات هائلة للمقاومة ولحمة كاملة مع جمهورها وشعبها الذي احتضن وبلسم كل الجراحات عبر كل الوطن ولكل الوطن أيضاً!.
الانتقاد/ العدد 1198 ـ 19 كانون الثاني/ يناير 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018