ارشيف من : 2005-2008

حكومة "تهريب"

حكومة "تهريب"

ينوي تقديمه إلى مؤتمر "باريس 3"؟.‏

بالتأكيد لا، لماذا، لأنه لا يمكن حل المعضلة الاقتصادية اللبنانية بواسطة الشعر، ولا يمكن مداواتها بالداء نفسه.‏

يتحدث السنيورة في مقدمة برنامجه عن "الواجب الاخلاقي للإصلاح"، مع أن تاريخه يفتقر بشكل فظيع إلى أية مبادرة إصلاحية حقيقية، وهو يشدد على ربط مصير لبنان بمؤتمر "باريس 3" باعتباره الدواء الشافي من العلل التي أوجدتها وفاقمتها سياساته المتعاقبة على مدى 15 عاماً، ما أوقع البلد في عجز خيالي يفوق الـ45 مليار دولار.‏

يركز السنيورة على بيع القطاع العام كوسيلة لتخفيض الدين، متناسياً أن بيع القطاع العام للشركات الأجنبية يفقد اللبنانيين أية رعاية أو حماية بوجه الرأسمال الغربي المتوحش الذي لا يهمه سوى جني الأرباح بعيداً عن أية اعتبارات أخلاقية وإنسانية، كما أن هذا التوجه لدى السنيورة يستكمل استتباع لبنان اقتصادياً، بعد أن وضعه السنيورة والفريق الذي ينتسب اليه تحت الوصاية السياسية الاميركية.‏

الأخطر فيما يقوم به السنيورة أنه وعلى غرار محاولة فريقه السياسي تهريب العديد من المسائل الحساسة والمفصلية، فإنه يحاول تهريب إقرار المشروع عبر الحكومة اللاشرعية، متجاهلاً أن ما هو بصدد إقراره أمر لا يجوز الاستئثار به، لأنه يلزم اللبنانيين لأجيال عديدة مقبلة بقضاء حياتهم مرهونين لإيفاء ديون سببتها سياساته المتعاقبة، وكذلك فإنه يفعل ذلك في ظل حكومة لا شرعية ولا ميثاقية تغيب عنها أغلبية حقيقية من الشعب اللبناني.‏

هل يمكن للسنيورة أن يقنع أحداً من اللبنانيين موالين أم معارضين بأن الدول المانحة لن تضع شروطاً، وشروطاً مجحفة اقتصادياً وسياسياً بحق لبنان واللبنانيين، وأن تستتبعهم اقتصادياً بعد محاولات استتباعهم سياسياً، أم أنه اقتنع أن الدول المانحة هي مؤسسات رعاية دولية خيرية تفعل ذلك لوجه الله ولا تريد منا ومنه جزاءً ولا شكوراً.‏

هل يمكن للسنيورة أن يقدم تفسيراً واحداً لنا، كيف يمكن له أن يمرر برنامجاً اقتصادياً كهذا قبل أن يفسح في المجال أمام الهيئات الاقتصادية والاجتماعية في قراءته ووضع ملاحظاتها عليه، وكيف يمكن له أن يدعو لمناقشة وقراءة برنامجه الاقتصادي من الرأي العام في حين أنه منع ذلك عن وزرائه، تماماً كما فعل في مشروع المحكمة الدولية.‏

يرفع السنيورة لواء العدالة الاجتماعية ومراعاة قدرات المواطن اللبناني على الاحتمال، في حين أن برنامجه الاقتصادي يتضمن زيادات ضخمة على الضريبة، وضريبة القيمة المضافة، وأسعار السلع الاستهلاكية، في حين أنه لا يتحدث شيئاً عن زيادة الأجور، وتدني القدرة الشرائية والمستوى المعيشي للناس.‏

يتحدث السنيورة عن ترشيد الإنفاق، في حين أن القاصي والداني يعرف قصة الفساد المستشري في الادارات والهدر الحاصل في المشاريع، والتلزيمات والسمسرات للمحاسيب والأزلام، بما لا يدع مجالاً للشك في انها كانت من أهم مسببات تعاظم وتفاقم الدين العام، فكيف السبيل الى تصديق وعوده بترشيد الإنفاق بعد أن أوصلت سياسات الحكومات التي شغل فيها دائماً مركز القطب المالي، البلد إلى حافة الانهيار.‏

على السنيورة أن يرف له جفن هذه المرة، وعليه أن لا يتمترس خلف أوهام الدعم الخارجي الذي لا يأتي مجاناً لا بالسياسة ولا بالاقتصاد.‏

لقد أوصلت سياسات الفريق المستأثر بالحكم والمتسلط على رقاب الناس البلد كله إلى طريق مسدود، ووضعت الأمور في عنق الزجاجة، وقد جرب هؤلاء على مدى الأشهر الماضية وقبلها منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كل أنواع الدعم والوصاية الخارجية التي لم تُجدِهم ولن تُجديهم نفعاً، لذا فإن الأوان قد آن لهم أن يعودوا إلى جادة الحل الداخلي، والكف عن المراهنات على الخارج أياً كان هذا الخارج. لا الضغط العسكري التدميري وحروب أميركا بالواسطة نفعت، ولا تجييشها واستنفار إدارة بوش سياسياً وإعلامياً لدعم فريق 14 شباط أثمرت، ولا محاولات وضع لبنان تحت الوصاية السياسية لواشنطن أفلحت، وكذلك فإن استعمال الاقتصاد طريقاً للوصاية لن يوصلهم إلى أي مكان غير الفشل.‏

لقد زرعوا الريح منذ زمن ولن يكون حصادهم إلا العاصفة!‏

الانتقاد/ العدد1196 ـ 5 كانون الثاني/ يناير2007‏

2007-01-05