ارشيف من : 2005-2008

أوروبا: مات الدستور الكبير.. عاشت الاتفاقية المصغرة

أوروبا: مات الدستور الكبير.. عاشت الاتفاقية المصغرة

مشروع التوحيد الأوروبي وما حققه من تقدم بطيء ولكن بخطى ثابتة خلال أكثر من نصف قرن، وجد نفسه أمام إمكانية تحقيق قفزة نوعية إلى الأمام عندما أطلق الاتحاد الأوروبي في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2001 (كان يضم يومها 15 بلداً) عملية إصلاح المؤسسات مع تعيين هيئة من 105 أعضاء، برئاسة الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان، مهمتها وضع "دستور للمواطنين الأوروبيين". وبعد 16 شهراً من العمل خرجت الهيئة باتفاق حول مشروع للدستور. وفيما كان هذا المشروع ينتظر ـ قيد التداول العام ـ المصادقة عليه من كل بلد على حدة ووفق خيار الاستفتاء الشعبي أو التصويت البرلماني المتروك لكل بلد، توسع الاتحاد في الأول من أيار/ مايو 2004 ليضم عشرة بلدان جديدة من شرق ووسط وجنوب أوروبا. كانت ليتوانيا المنضمة حديثاً أول من بادر إلى المصادقة، وتبعها في ذلك 18 بلداً، قبل أن يخيم الوجوم على أوروبا في 29 أيار/ مايو 2005، مع الاستفتاء الفرنسي الذي حجب المصادقة على الدستور. وبعد يومين جاء الاستفتاء الهولندي أشد قوة في رفض الدستور الذي كان قد دخل في دائرة التعطيل مع الاستفتاء الفرنسي السلبي. وبذلك لم يعد هنالك معنى لاستمرار الاستفتاءات التي عُلقت من قبل سبعة بلدان بانتظار ما ستأتي به الأيام.
 هل انتهى بذلك مشروع التوحيد الأوروبي في عز توسعه نحو الشرق والجنوب؟ تعددت في ذلك التحليلات والتأويلات والتنبؤات وذهبت كل مذهب. لكن أوروبا الرسمية عملت على استيعاب الصدمة والتسليم للأمر الواقع، دون إقفال الباب أمام إمكانية التوصل إلى حل. وعليه اتُفق في 17 حزيران/ يونيو 2005، على "الاستراحة" مدة سنة يجري خلالها التفكير في ما ينبغي عمله. ثم جددت الاستراحة حتى العام 2008 في أجواء سادها الانطباع بأن الدستور الأوروبي بات في خبر كان. برغم ذلك واصل الاتحاد توسعه الجغرافي ليضم بلدين جديدين، كما واصل التحرك كجسم واحد على مستوى السياسة الخارجية. لكن الاتجاه داخل كل بلد كان يختلف تبعاً لمختلف أنواع الرؤى التي توزعت بين رغبة البلدان الفقيرة في المضي قدما قي مشروع الاتحاد، ووجل شعوب البلدان الغنية إزاء التكلفة الاقتصادية والاجتماعية التي بدأ يفرضها استيعاب كل هذا الحشد من البلدان الساعية إلى تحسين أوضاعها من خلال الانضمام إلى الاتحاد، وبين الاتحاد كمجال لتوسع الشركات الكبرى ومشاريع الهيمنة السياسية عبر فتح أسواق ومناطق نفوذ جديدة.
وقبل أن تنتهي الاستراحة المعطاة للتفكير، ولدت ـ في ظل الخوف الرسمي من تراجع فكرة الاتحاد واحتمالات انهياره ـ فكرة جديدة لا تتخلى نظرياً عن الطموح المبدئي ولا تصطدم بالرغبة الشعبية المتنامية داخل بلدان الاتحاد الغنية، في الانكفاء داخل الحدود القومية لإيلاء المزيد من الاهتمام بالمتطلبات الاقتصادية والاجتماعية في ظل أوضاع بدأت تتجه منذ اعتماد اليورو نحو التأزم. والأكيد أن هذه الفكرة قد ولدت في ذهن نيكولا ساركوزي في شباط/ فبراير 2006، الذي اقترح يومها استبدال مشروع الدستور بمشروع "اتفاقية مصغرة" لم تلبث أن لاقت قبولاً لتأخذ اسم "الاتفاقية المبسطة".
وكانت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أول من تلقف الفكرة في ظل التوق المشترك منذ أيام شيراك، إلى تشكيل محور فرنسي ـ ألماني للنهوض بأوروبا. والأكيد أيضاً أن ساركوزي الذي نجح في مداراة الانقسام الفرنسي الحاد حول مسألة الدستور، قد نجح أيضاً في استخدام الفكرة الأوروبية كحصان في المعركة التي أوصلته إلى سدة الرئاسة الفرنسية. غير أن طموحه على ما يبدو إلى دور فرنسي أكثر تفرداً في قيادة أوروبا، وبالتالي تجاوز العلاقة المميزة مع ألمانيا، لم يمنعه الاستفادة من ترؤس ألمانيا للدورة الحالية للاتحاد الأوروبي، والسماح لميركل بمشاركته في تبني فكرة الاتفاقية المبسطة، وإن كان قد فتح في الوقت نفسه خطوطاً على إسبانيا وبريطانيا واللوكسمبورغ ليمنحها حصصاً في عملية الإنقاذ التي تفرد بريادتها بوصفه أول من طرح فكرة الاتفاقية. نقطة مهمة أخرى سجلها ساركوزي على ميركل خلال النقاشات الصعبة التي استمرت يومين متتاليين قبل توصل القمة الأوروبية التي انعقدث في بروكسل إلى اتفاق تسوية حول موضوع الاتفاقية. إحدى النقاط الشائكة التي اعترضت مسار النقاشات تمثلت بحق الفيتو الذي هددت بولندا باستخدامه لمنع إقرار نظام التصويت المقترح، والذي ينص على اعتماد آلية تصويت بما يسمى بالأكثرية المزدوجة، حيث يتطلب إقرار القرارات حصولها على 55 في المئة كحد أدنى من أصوات الدول، ولكن بشكل يضمن تمثيل 65 في المئة من السكان. أي ان الآلية المذكورة تعطي قوة أكبر لأصوات البلدان الأكبر من الناحية السكانية.
 وقد أصر الرئيس البولندي على وجهة نظره الرافضة لهذه الآلية وساق حججاً من النوع الذي اعتبر تحدياً صريحاً لألمانيا عندما قال بأن بولندا كان بإمكانها أن تكون أكثر سكاناًً لو أنها لم تتعرض إلى عمليات إبادة من قبل الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي أثار حفيظة ميركل ودفعها إلى التهديد بالمضي قدماً مع أو بدون بولونيا، ما كان سيشكل تصدعاً خطيراً وتهديداً لمستقبل الاتحاد. لكن ساركوزي الذي ساءه أن يتخلى الاتحاد عن "أكبر بلد في أوروبا الشرقية" (لكمة مباشرة لروسيا الحاضر) قبل أقل من عشرين عاماً على سقوط جدار برلين (لكمة مباشرة لماضي روسيا السوفياتي)، أعرب عن استعداده للذهاب إلى وارصو والتوجه مباشرة إلى البرلمان البولندي، وأفلح أخيراً في حل العقدة الكبرى عندما أقنع البولونيين بالتراجع عن موقفهم، ولكن بعد أن منحهم على حساب ميركل، انتصاراً حقيقياً تمثل بعدم دخول الاتفاقية حيز التنفيذ إلا عام 2014 (بدلاً من عام 2009)، مع فترة انتقالية تستمر حتى العام 2017 يُعمل فيها وفقاً لاتفاقية نيس على ما أراده البولونيون. ولكن اللكمة المهمة التي تلقتها ميركل عندما بدأ مسؤولون أوروبيون على صلة بساركوزي يعلنون حل المعضلة البولونية والتوصل إلى تسوية حتى قبل أن تعلم ميركل بذلك، وقبل أن يعلم هؤلاء المسؤولون ما إذا كانت ألمانيا رئيسة الدورة الحالية، قد وافقت على التسوية أم لا.
نقاط عديدة أخرى تضمنها الاتفاق لم تندلع حولها نقاشات حادة. لكن الاتفاقية المصغرة التي ستخضع لامتحان التصويت عليها من قبل كل بلد على حدة خلت من كل ما كان يعطي الانطباع، في مشروع الدستور الساقط، بأن أوروبا قد أصبحت مؤهلة لأن تكون كياناً فيدراليا.. لكن كل أهمية الإتفاقية أنها كرست فرنسا وساركوزي تحديداً، كلاعب أساسي في المسرح الأوروبي، شرط أن يتجاوز العقبة الكأداء التي تهدد الاتفاقية المبسطة بمصير مشابه لمصير مشروع الدستور، بعد القفزة التي حققها اليسار في الانتخابات التشريعية وحرمت ساركوزي من الأكثرية اللازمة لقبولها فرنسياً.    
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد1221 ـ 29 حزيران/يونيو2007

2007-06-29