ارشيف من : 2005-2008

مواجهة الصين ومواجهة إيران

مواجهة الصين ومواجهة إيران

باريس ـ نضال حمادة
هناك تفاهم واتفاق بين الباحثين في الولايات المتحدة على أن إيران والصين تمثلان التحدي الأكبر للهيمنة الأميركية في آسيا والشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تسعى أميركا مع بعض دول المنطقة العربية للحد من تقدم البرنامج النووي الإيراني، وصعود القوة الإيرانية التي تعارض الهيمنة الغربية على العالم الإسلامي.
في شهري أيار/ مايو وحزيران/ يونيو 2007 ظهرت في الولايات المتحدة دراستان تلفتان الانتباه حول الخطر الصيني ـ الإيراني على نفوذ أميركا في آسيا والشرق الأوسط.
الدراسة الأولى كانت من إعداد انييل توتينيج، الأستاذ بجامعة أكسفورد في بريطانيا تحت عنوان: التصميم الأميركي الأكبر في آسيا، ونشرت في مجلة كوارتيرلي وتتحدث عن سبل مواجهة الخطر الصيني، أما الدراسة الثانية فأعدها الباحث في شؤون الشرق الأوسط  بيت رودمان، وقد انصبت على الحديث عن الخطر الإيراني والطرق الممكنة لمواجهته، وكانت بعنوان "إستراتيجية المرحلة المستقبلية في مواجهة تحدي إيران الثورة"، وقد صدرت عن معهد "بروكينجز".
من هنا يمكن ملاحظة وجود عدوين أساسين في العقيدة الإستراتيجية الأميركية هما الصين وإيران، أما المفارقة التي جمعت بين الدراستين فهي تشابه طرق المواجهة المقترحة على الإدارة الأميركية.
في الموضوع الإيراني وسبل مواجهة تحدي إيران للولايات المتحدة الأميركية يقول رودمان إن السبيل الوحيد لمواجهة التحدي القادم من إيران يتمثل بدعم وتقوية دول الخليج الصديقة للولايات المتحدة والتي تحيط بإيران جغرافيا، ويضيف رودمان أن إيران تعتبر مشكلة لأميركا بقدر ما هي مشكلة لحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومن هنا فإن القسم الأول من إستراتيجية المواجهة يعتمد على تقوية حلفاء أميركا العرب باعتبارهم وزنا كبيرا في مواجهة القوة الإيرانية، لافتا إلى أن هذا الدعم يشكل خط الدفاع الأول الذي يتعين على أميركا إنشاؤه، وعليه يستنتج رودمان أن على أميركا دعم وجود حكومة معتدلة في العراق، ومن ثم إعادة تسليح العراق، ليعود التوازن بين إيران وباقي دول الشرق الأوسط.
ما ينشر عن إيران ينشر عن الصين ويمكن استخلاص توصيات عدة خرجت بها الدراستان:
أ- التعامل مع إيران والصين باعتبارهما القوتين الإقليميتين الأخطر في مواجهة النفوذ الأميركي.
ب- العمل على تطويق إيران والصين، ومن ثم إضعافهما.
ج- تقوية الدول المجاورة لكلا الدولتين بهدف إضعافهما بطريقة غير مباشرة عبر استنزافهما اقتصاديا.
د- الاعتماد الكلي على المواجهة غير المباشرة مع البلدين المذكورين وتحريض محيطهما عليهما.
في الموضوع الصيني تحدث توتينينج  عن تحدي الصين للنفوذ الأميركي في آسيا باعتبارها التحدي العسكري والاستراتيجي الأكبر في وجه الولايات المتحدة. أما سبل مواجهة النفوذ الصيني فيلخصها الباحث كما يلي:
أ ـ استمرار العمل بالتحالفات العسكرية الثنائية مع عدد من دول جوار الصين.
ب ـ استمرار الوجود العسكري الأميركي في كوريا الجنوبية واليابان.
ج ـ توثيق التحالف مع استراليا ودعم نفوذها في تيمور الشرقية واندونيسيا.
د ـ عقد تحالفات مع كل من سنغافورة وتايلاند والفيليبين وإعلان الدولتين الأخيرتين حليفا من الدرجة الأولى.
المفارقة الجديدة في ما يصدر من دراسات تتمثل في ميل الباحثين في أميركا إلى أسلوب المواجهة غير المباشرة في الشرق الأوسط وآسيا، وهو ما يعتبر اعترافا بعدم قدرة الولايات المتحدة على المواجهة المباشرة واعتمادها على دول وأنظمة على طريقة المرتزقة لتنفيذ إستراتيجيتها.
هذه الإستراتيجية لفت إليها الصحفي الأميركي المعروف جوزيف ناي في مقالة تحت عنوان: القوة والإستراتيجية الأميركية بعد العراق، نشرت في مجلة فورين آفيرز عام 2003 حيث اعتبر أن الهيمنة العسكرية لم تعد مقياسا في عالم تغير كثيرا خلال العقود الثلاثة الأخيرة تحت تأثير الثورة التكنولوجية، واستدل على ذلك بفقدان أميركا للسيطرة على مجرى الأحداث في مناطق عدة من العالم برغم ما تتمتع به من تقدم تقني يمنحها تفوقا عسكريا غير مسبوق منذ الأمبراطورية الرومانية.
الكلام نفسه أكده جيمز روزيناو  المحلل السياسي في معهد الشرق الأدنى في بحث نشره تحت عنوان أوهام القوة والأمبراطورية الذي نشره في كتاب أسماه "تاريخ ونظرية" حيث أشار إلى دور التقنية الجديدة في وضع حد نهائي لتاريخ طويل من الأمبراطوريات، معتقدا بقدرة دول صغيرة على إلحاق الهزيمة بالدول العظمى عن طريق استخدام تكنولوجيا متطورة هي في متناول الجميع، في عصر العولمة، فضلا عن استخدام هذه التكنولوجيا في عمليات أمنية واستخباراتية فعالة، ومن هنا يستنتج أن الحرب بالوكالة هي أفضل منهجا وأرخص ثمنا وتكلفة في سبيل الحفاظ على النفوذ الأميركي حول العالم.
ويبقى السؤال الأهم هو: هل ستستغل الدول المجاورة لإيران أو الدول المجاورة للصين، الضعف الأمبراطوري الأميركي فتمتنع عن التحالف مع الولايات المتحدة وتتكاتف مع الدول المراد إخضاعها عوضا عن التحالف ضدها؟ أم سترضخ للإرادة الأميركية وتقبل بتطويق الجارين، الصين وإيران؟ وخاصة أن القناعة بأن على واشنطن التدخل مباشرة لحل مشاكلها مع الدول "المارقة" انكفأت وبات على الولايات المتحدة الآن أن تبحث في اختراع الطرق التي ستعيد عبرها المقولة السابقة بمحاربة الأعداء بواسطة "المرتزقة" من الدول والأنظمة، وهنا تبرز مشكلة أخرى وهي مَن مِن هذه الأنظمة المرتزقة مستعد لأن يأخذ عن واشنطن هذا الدور بعدما وصل الجميع وأهمهم أعداء الولايات المتحدة الأميركية إلى قناعة بأن قوة واشنطن العسكرية المباشرة لم تستطع الانتصار عليهم، فكيف عندما تحاربهم بمرتزقة؟ 
الانتقاد/ العدد1221 ـ 29 حزيران/يونيو2007

2007-06-29