ارشيف من : 2005-2008

واشنطن تضغط لافتعال أزمة حدود لبنانية ـ سورية تمهيداً لنشر قوات دولية

واشنطن تضغط لافتعال أزمة حدود لبنانية ـ سورية تمهيداً لنشر قوات دولية

إقفال السلطات السورية معبر "القاع - جوسية" الحدودي، الذي سبقه إقفال معبرين حدوديين آخرين عند الحدود الشمالية للبنان مع سوريا على خلفية أحداث مخيم نهر البارد، فتح الباب أمام تأويلات وهواجس دفعت إلى ترجيح إمكانية قيام سوريا بإقفال المعبر الأهم عند النقطة المعروفة بالمصنع، ولم تخفف مواقف نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، التي شددت على عدم وجود هكذا اتجاه لدى دمشق من حدة هذه الترجيحات، لأنها جاءت مرهونة بظروف سياسية وأمنية تحدث عنها الشرع نفسه، رابطاً إياها بحركة بارومتر العلاقات الثنائية اللبنانية ـ السورية، وهنا بيت القصيد.
ولعل ما دفع الأوساط السياسية والاعلامية للحديث عن إمكانية استفحال أزمة المعابر الحدودية، هو ما قامت به السلطات السورية في فترة سابقة من إقفال لمعبر المصنع الحدودي، وبالتالي تعطيل القسم الرئيسي من دورة لبنان الاقتصادية التي ترتبط بالترانزيت وبحركة التصدير والاستيراد عبر الأراضي السورية، فضلاً عن إعاقة عمليات الانتقال البشرية، وبالتالي نشوء مشكلة اقتصادية خانقة انضمت إلى سلسلة الأزمات الأمنية والسياسية في لبنان، وهو ما دفع آنذاك وزيرة الخارجية الأميركية غوندوليزا رايس نفسها إلى الطلب من دمشق إعادة فتح الحدود، فضلاً عن وساطات عربية ودولية تجاوبت معها سوريا، وأعادت فتح المعبر.
وقد قصدت دمشق من خلال إقفال المعبر الأخير توجيه رسالة سياسية إلى حكومة الأكثرية، ولمن يعنيهم الأمر في عواصم الحصار الدولي على سوريا، وعلى الرغم من أن الخطوتين السابقتين بإقفال المعابر الحدودية في الشمال ظهرتا كتدبير احترازي، وتأكيد سوري على حرص دمشق على منع تسرب عناصر "القاعدة" عبر الحدود وفي الاتجاهين، إلا أن ذلك يعكس معادلة مستجدة باتت تعتمدها دمشق رداً على تعنت فريق الأكثرية الذي أمعن في إفشال كل المبادرات وصم آذانه عن التصريحات وأغلق عينيه عن الإشارات الكثيرة التي هدفت إلى تصحيح العلاقة الثنائية بين البلدين الجارين.
وهناك العديد من الشواهد على هذا الصعيد، فقد حرص المسؤولون السوريون على عدم تأثر العلاقات، التي من المفترض أن تكون مميّزة، بين لبنان وسوريا بالأجواء السياسية المشحونة التي يثيرها فريق 14 شباط وحكومة السنيورة التي رفضت منذ مؤتمر الحوار الوطني مطلع آذار عام 2006، جميع المحاولات لعقد لقاءات سياسية ثنائية، وإزالة العقد التي تقف حائلاً دون عودة الاستقرار والدفء في العلاقات الثنائية، وأبرزها رفض فؤاد السنيورة الدعوة التي حملها الرئيس نبيه بري إليه لزيارة دمشق. وبرغم الحملات السياسية المتصاعدة ضد دمشق، واصلت الأجهزة الجمركية والإدارية السورية التعامل مع الجانب اللبناني من منطلق مؤسساتي، عبر اتخاذ إجراءات مشتركة مع الجيش اللبناني والجمارك اللبنانية وقطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية، ولا يخفي المسؤولون اللبنانيون الحديث عن التجاوب الكلي وتقديم التسهيلات العملية اللازمة من قبل الجانب السوري في مختلف الأعمال التي تقوم بها اللجان المشتركة على جانبي الحدود.
ولكن صورة الأزمة لا تعدو كونها سوى مظهر هش لتعقيدات أمنية وسياسية كبرى، لا تنفصل عن حالة التوتر الشديدة الراهنة على صعيد العلاقات اللبنانية ـ السورية، ومردها إلى الممارسة السياسية التي تعتمدها قوى الأكثرية حيال العلاقة مع النظام السوري، والتي لا تنفصل عضوياً عن "أجندة" الأهداف التي تسوّق لها الإدارة الأميركية، وجنّدت لها الرأي العام العالمي، من دون أن نغفل عن المكتسبات الإسرائيلية المختلفة من جرّاء تنفيذ هذه "الأجندة"، وصولاً إلى نشر قوات دولية على هذه الحدود التي تمتد حوالى ثلاثمئة كيلومتر، وتشكل المتنفس البري الوحيد المتاح للبنان، اللهم إلا إذا تم السير في مشروع سري تسرّبت عنه معلومات أفادت بسعي دولي بغطاء عربي لشق طريق بري من راشيا عبر الجولان وصولاً إلى ميناء العقبة، وسيكون هذا الطريق عملياً تحت إشراف إسرائيلي مباشر، ما يؤكد المؤشرات المتعلقة بأزمة الحدود المفتعلة وصولاً إلى كسر المقاطعة اللبنانية لإسرائيل تحت مظلة اقتصادية، وبالتالي تمهيد المقدّمات لإنشاء علاقات تجارية، على غرار ما هو حاصل بين "إسرائيل" ومعظم الدول العربية.
لا يمكن النظر إلى أزمة الحدود اللبنانية ـ السورية إلا من منظارين، واحد سياسي وآخر أمني، فمنذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاه من جرائم اغتيال طالت نواباً ووزراء وسياسيين لبنانيين، أصرت قوى 14 شباط وحكومة السنيورة والولايات المتحدة ومن يدور في فلكها عربياً وأوروبياً على توجيه أصابع الاتهام إلى سوريا بالوقوف وراء هذه الجرائم. إلا أن عدم وجود أي قرينة قضائية على هذه الاتهامات وباعتراف المحقق الدولي سيرج براميرتس نفسه، دفع هذه الفئات إلى إطلاق صفة "الاتهام السياسي"، وصعّدت حملتها باتهام سوريا بتهريب عناصر من "القاعدة" إلى لبنان لضرب الاستقرار الداخلي، وذلك بموازاة الحملة الأميركية على سوريا في ما يتعلّق بالملف العراقي، وقد اتخذت هذه الحملة منحىً وقحاً يتسق مع التوجه الأميركي ـ الإسرائيلي تحت عنوان تهريب السلاح إلى حزب الله، عقب هزيمة الاحتلال في 14 آب عام 2006 وإصدار القرار 1701.
أما على المستوى الأمني، فإن دمشق أعلنت أن المشروع الذي تعمل له الادارة الأميركية لنشر قوات دولية لمراقبة الحدود بين لبنان وسوريا، يعني اعتبار البلدين في حالة حرب، وبالتالي فإن السلطات السورية ستجد نفسها مجبرة لاتخاذ إجراءات أمنية تنسجم مع هذا الاعتبار، وأول هذه الإجراءات إقفال الحدود المشتركة بشكل نهائي، مع ما يتبع ذلك من إجراءات عسكرية تكفل حماية الحدود السورية من أي اختراق خارجي، في حين أن حكومة السنيورة المنساقة وراء الأمر الأميركي تغض النظر عن المخاطر والسلبيات التي تعكسها هذه الخطوة على لبنان على المستويات كافة.
وإمعاناً في هذا التوجه، أقحم الفريق الأكثري أزمة الحدود اللبنانية ـ السورية في جدول أعمال المجلس الذي خصص لبحث الوضع المتأزم في فلسطين المحتلة، ولكن هذا الفريق أصيب بإحباط بسبب الصيغة التي انتهى إليها بيان المجلس الوزاري العربي الأخير، الذي شدد على اتخاذ لبنان إجراءات على الحدود مع سوريا، في حين أنه كان يأمل في استصدار موقف عربي يدين سوريا بذريعة تهريبها السلاح والمسلحين إلى لبنان، وقد حاول أقطاب 14 شباط استدراك الأمر خلال جولة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الأخيرة في بيروت، حيث سعى هؤلاء إلى حرف مهمة الوفد عن مسارها المحدد بالعمل على جمع الأطراف اللبنانية مجدداً حول طاولة الحوار، فقد ركّز وليد جنبلاط حديثه مع موسى على ضرورة كبح جماح "إرهاب النظام السوري"، في وقت عرض السنيورة أمام موسى والوفد العربي خرائط قال إنها تتضمن دلائل على عمليات التهريب عبر الحدود، وهو ما يستدعي إلى الذهن الحديث عن تقارير وصور جوية قيل إنها سلمت إلى براميرتس من جهات معينة تؤكد حصول عمليات التهريب، فتبين أن هذه الجهات ليست سوى الولايات المتحدة و"إسرائيل".
محمد الحسيني
الانتقاد/ العدد1221 ـ 29 حزيران/يونيو2007

2007-06-29