ارشيف من : 2005-2008

معزوفة "الأنا" على أوتار "الآخر"

معزوفة "الأنا" على أوتار "الآخر"

"مني اليك"، بكل هذه البساطة تهدي نسرين بوحها الحميم للشريك الكامل في إنتاج الحياة حباً وإبداعاً، وهي قربه، تنظر تستخرج من مرايا الذات وجه المرأة في قلب الرجل، وقلب الرجل في وجه المرأة.
بعد "سراديب الوجع"، "عرس أيلول"، "أمراء الجنة".. تستريح نسرين في ظلال الرجل الذي أحبّته (كتابة) بطلاً، مقاوماً، شهيداً، شاهداً، لقد آن أوان البوح، عندما بلغت معه ذروة الحب الذي تجلى في وجه من أغلقت على ملامحه الغامضة كتابها، بوضوح إهدائها وشفافية بوحها: "لماذا أحبك أنت، لأنك ببساطة ودون تكلف أنت".
إنه الحب الذي كتبته نسرين قبل هذا الكتاب مقاوماً يدافع عن حقوق القلب في حب من يشاء، أرضاً، وديناً وإنساناً.. وعندما جاء زمن الخصوصية، أرادته لوناً وحيداً للعلاقة بين قطبي الحياة كما أرادها الله، وهو لا يختلف عن لون عشقها القديم المتجدد للشهداء، أحياءً عند ربهم، أو بيننا، إنه الخلود في شغاف القلب كما في الفردوس، حب تختنق بدونه الحياة في مستنقع آسنٍ، محرومة من أفراح الضوء والماء عندما يلتقيان بين ضفاف الجداول والأنهار.. في بانوراما الأرجوان والبرفير تمزج للعاشقين بهجة ألوان قوس الرحمن.
جريء بوح نسرين، له ولنا، واضح وضوح مواقفها لمن قرأها، وهذا ما أعطى نصها فرادته وخصوصيته التي عرفناها أيضاً في كتاباتها، من منازل الشهداء في قلب المقاومة.
يتميز هذا البوح بنضج التجربة الحية التي قد تعيشها مع خصوصياتها كل نساء الأرض، ولكن قلة منهن توظفها في مواجهة الذات والآخر، بجرأة هذا البوح الجميل الذي يغرف من معين القلب وحده، وما خفي تفاصيل يحق للكاتبة في بوحها، أن تحملها أو تهملها.
المهم أن تلتقي قلبها في كيان الآخر، ليكتبا معاً معادلة الأخذ والعطاء بعيداً عن جمود أصول اللعبة وقواعدها.
بانسياب صادق، صدق الدمعة في أعلى درجات الحب خائباً، محبطاً. قد تشبه نسرين نصها الجديد الخاص، كما شابهته مقاوماً، ففي النصين فعل حب يقاوم الحقد والكره ويسعى لأنسام الحرية.. كذلك يشبه نصها الرجل الذي تخاطبه، وهما معاً في فعل البوح توأمان، قطرتا ماءٍ، تسيران بحثاً عن إناءٍ لجمعهما، المهم أن يقرآ معاً وأن يسمعا بالقلب ثرثرات الآخر الحلوة همساً لا صراخاً، ولئن قدرت نسرين في حالٍ صوفية، أن تكون عاشقة بين رفة جفنٍ وأخرى، فسيصعب على القارئ أن يكون كذلك قبل أن ينتهي من تضميد ما نكأت من جراحٍ دفينة في أعماق الذاكرة، وهذا ما أوقعتها فيه شفافية بوحها الذي سيقرأ فيه الكثيرون والكثيرات تفاصيلهم المخبأة في صناديق امتلكت نسرين مفاتيحها فبلغتها، وهنا سر آخر لفرادة اللغة الراقية في بعدها عن الابتذال التجاري المتعمد في كتابات تدور في فلك الحب بين المرأة والرجل.. في "مشهد حوارٍ بيزنطي" تنسج نسرين عباءة من حريرٍ أسود لرغبة المرأة في بدء شكل أكثر صباحة في علاقتها مع الرجل، لكنها تضيء كل هذا السواد بخيوط بيضاء، ترمز إلى وصولهما معاً إلى حقيقةٍ واحدةٍ مفادها أن أحدهما لن يكون اذا غاب الآخر أو استقال مما خلقه الله عليه.. لأن الحياة ستفتقدهما معاً، "ولا يهمني من أكون.. المهم أن تعرفي في النهاية: لن أكون رجلاً إن لم تكوني امرأة".
تطلق نسرين ابتسامة ساخرة من طرفها أمام الرقيب القادر على نصب مشنقة لمن كسرت حاجز العفة بقولها لرجل لا تعرفه: "صباح الخير".. وذلك عندما جمعها بهذا الرجل مكان كانا فيه قريبين أكثر من أي وقت مضى، لكنه باعد بينهما لأنه كان مكاناً للمدير الجديد.. انها تحية نضج مشاعر الإعجاب برجلٍ مجهولٍ، دون أن تحوله المعرفة المفاجئة إلى وهم عاطفي.. عندما تتحدث نسرين عن الذكاء العاطفي أو غبائه، لا تنسى أبداً ان باب اللجوء إلى كتف الرجل، قلبه الكبير، مفتوح على مصراعيه، فهما قد خلقا أصلاً كل للآخر حصنا حصينا وملاذا أمينا، المهم معرفة طريق العودة إنساناً لإنسان، لا عبداً لسيد أو جارية لمولاها مروراً تحت قنطرة أجمل كلمات اللغة العربية اسماً ومصدراً وفعلاً ينتج الحياة جميلة في ظل رضا الله والقلب "أحبك". يصح فتح الكاف على حساب ضمير المخاطبة التي تطالبها نسرين بأدب المبادرة الجريئة، دون أن تنسى نصيبها من حساب ضمير المخاطب.
لا عجب إذاً أن يغيب الصراخ المتفجع من كل ثرثرات المجموعة أمام الخيبات التي تعرضها، والأحزان التي تكتبها بعد اكتمال المرارة في تجربة حية، عاشتها الكاتبة أو عشناها نحن أيضا، لأنها ثرثرات هامسة بمنتهى الحب، بعيداً عن عقد الإحباط والفشل. ثمة استعداد دائم للبدء من جديد والبحث عن محطة انطلاقٍ أكثر إنسانية ودفئاً.
ثرثرات نسرين تبحث عن ينبوع التجدد، تروي يباس المشاعر، تمسح الصدأ عن مزاليج القلب، تشرعه للضوء الآتي من عتمة الروح الأسيرة في قفص خوفها واعتيادها على إلغاء "أناها" في موتٍ مجاني بطيء، لن يخدم أحداً في نهاية المطاف ولن يشعر به أحد.. "ثرثراتها، همساتها، تطلب الدفء من قلبها وقلبه في آنٍ وهما ينبضان برغم صقيع الغربة، تبادر بشجاعة "لترك وشاح الصقيع المبلل بالمطر"، "لتمشي تاركة الخلف دون نظرة وداع، فهي قربه واثقة أنها معه مرة أخرى كأن شيئاً لم يكن".
ولئن فاجأتنا نسرين مضموناً اعتدناه في رحاب الشهداء حباً، فهي فاجأتنا بفتح جبهة الأدب العاطفي المقاوم لكل عوامل التسوُّس في مشاعرنا، لإنقاذها من جراثيم الكذب والخنوع طويلاً لمقاييس لا تلائمنا. إنها "نسرين" التي تعرف متى تقال "لا" انسجاماً مع قسوة لحظة لم نملك فيها سواها، ومتى نكتب بحبر القلب "نعم" لمن يغزوه صدقاً وشجاعة وحباً.. تبقى مسألة الوضوح في رؤية الآخر وقبوله كما هو، أو الانسحاب بكرامة من موقع ليس لنا فيه باحثون بشجاعة عن موقع نمشي فيه مع الحياة معاً من منطق المشاركة ولو في ظل الاختلاف، اذ لا يعني التماثل مطلق الحب، أكثر مما يعني الاختلاف حاجة للتكامل.
لن نندم يوماً إذا أصغينا الى ثرثرات قلم، لن تتوقف صاحبته أبداً عن العزف على أوتار الشهداء. لكنها في استراحة المقاوم الأدبية افترضتنا جميعاً شهداء، فكتبت عنوانها لنا، ما أدخلنا في جنة نصٍ أرادته نسرين شجاعاً وجميلاً، يعزف بصمت العقلاء وعشق المقاومين وصدق العاشقين نشيد الحب على أوتار الأنا والآخر في آنٍ واحد.
ولاء إبراهيم حمود
الانتقاد/ العدد1221 ـ 29 حزيران/يونيو2007

2007-06-29