ارشيف من : 2005-2008

نور الولاية(*)

نور الولاية(*)

عزيزي.. استثمر ما بقي من الشباب، ففي الشيخوخة يضيع كل شيء، حتى الالتفات إلى الآخرة والتوجه إلى الله تعالى.
إن من كبريات مكايد الشيطان والنفس الأمارة بالسوء أن تمنّي الشباب بوعود الصلح والإصلاح عند حلول الشيخوخة، فتخسر الشباب الذي يضيع بالغفلة.. وأما الشيبة، فتمنيهم بطول العمر حتى اللحظات الأخيرة، وتصد الإنسان ـ بوعودها الكاذبة ـ عن ذكر الله والإخلاص له، إلى أن يأتي الموت، وعندها تأخذ منه الإيمان، إن لم تكن قد أخذته منه كاملاً قبل ذلك الحين.
إذاً.. فانهض للمجاهدة وأنت شاب تمتلك قوة كبرى، واهرب من كل شيء ما عدا الحبيب ـ جل وعلا ـ وعزز بما استطعت ارتباطك به تعالى إن كان لديك ارتباط.
أما إذا لم يكن لديك ذلك ـ والعياذ بالله ـ فاسعَ للحصول عليه واجتهد في تقويته، فليس هناك ما يستحق الارتباط به سواه تعالى. وإذا لم يكن التعلق بأوليائه تعلقاً به تعالى ففيه مكيدة من حبائل الشيطان الذي يصد عن السبل إلى الحق تعالى بكل وسيلة.
لا تنظر أبداً إلى نفسك وعملك بعين الرضا، فقد كان أولياء الله الخلّص يرون أنفسهم لا شيء، وأحياناً كانوا يرون حسناتهم من السيئات.
بني.. كلما ارتفع مقام المعرفة تعاظم الإحساس بحقارة ما سواه جلّ وعلا.
في الصلاة مرقاة الوصول إلى الله هناك تكبير وارد بعد كل ثناء، كما أن دخولها بالتكبير، وتلك إشارة إلى أنه تعالى أكبر من كل ثناء، حتى من أعظم ثناء، وهو الصلاة. وبعد الخروج هناك "تكبيرات" تشير إلى أنه أكبر من توصيف الذات والصفات والأفعال..
ماذا أقول؟
من الذي يصف وبأي وصف؟
ومن هو الموصوف؟ وبأي لغة وأي بيانٍ يوصف؟
وكل العالم من أعلى مراتب الوجود إلى أسفل سافلين هو لا شيء، إذ إن كل ما هو موجود هو تعالى لا غير!
فماذا يمكن أن يقال عن الوجود المطلق؟ ولولا أمر الله وإذنه ـ جلّ وعلا ـ فربما لم يتحدث عنه بشيء أي من الأولياء، وإن كان كل ما هو موجود حديثاً عنه لا عن سواه! والكل عاجز عن التمرد عن ذكره، فكلُّ ذكرٍ ذِكرُه "وقضى ربّك ألا تعبدوا إلا إياه" و"إياك نعبد وإياك نستعين".. لعله خطاب بلسان الحق تعالى الى جميع الموجودات "وإن من شيء إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم"، وهذه أيضاً بلسان الكثرة، وإلا فإنه هو الحمد والحامد والمحمود "الله نور السموات والأرض".
ولدي.. ما دمنا عاجزين عن شكره وشكر نعمائه التي لا نهاية لها، فما أفضل لنا من أن لا نغفل عن خدمة عباده، فخدمتهم خدمة للحق تعالى، فالجميع منه!
علينا أن لا نرى أنفسنا ـ أبداً ـ دائنين لخلق الله عندما نخدمهم، بل هم الذين يَمنُّون علينا حقاً لكونهم وسيلة لخدمة الله جل وعلا. ولا تسعَ لكسب السمعة والمحبوبية من خلال هذه الخدمة، فهذه بحد ذاتها من حبائل الشيطان التي يوقعنا بها.
واختر في خدمة عباد الله ما هو الأكثر نفعاً لهم، وليس ما هو الأنفع لك ولأصدقائك، مثل هذا الاختيار هو علامة الإخلاص لله جل وعلا.
ولدي العزيز: إن الله حاضر، والعالم محضره، ومرآة نفوسنا هي إحدى صحائف أعمالنا، فاجتهد لاختيار كل عمل يقرّبك اليه، ففي ذلك رضاه جل وعلا.
(*) من وصية الإمام الخميني (قده) لولده السيد أحمد
الانتقاد/ العدد1221 ـ 29 حزيران/يونيو2007

2007-06-29