ارشيف من : 2005-2008

في وداع الريادة

في وداع الريادة

برحيل رائدة الشعر العربي الحر تكتمل حلقة الغياب للثالوث الحداثي الشعري العربي.. فبشعراء العراق الثلاثة نازك الملائكة وبدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي، تمثلت بدايات الشعر العربي الحديث.. وقد احتدم النقاش النقدي طويلاً حول الأسبقية بين هؤلاء العمالقة، فتوارى اسم البياتي من التداول ليبقى اسما "الملائكة" و"السيّاب" يتراوحان بين مدٍ وجزر جدلي لم يغن ولم يسمن، لأن السيّاب رحل ومن بعده البياتي وبقيت هي على قيد الحياة الهامشية، وليس على قيد الحياة الشعرية.. فقد عاشت الملائكة أواخر حياتها متوارية وشبه منسية.. بل ذهب البعض إلى أنها ارتدّت مذعورة عن الحداثة بعد مرور نحو ستين عاماً على قصيدتها "الكوليرا"، التي كتبتها كرد فعل شعري إزاء مأساة مرض الكوليرا الذي فتك العام 1947 بأهل الريف المصري.
يذهب الكثير من النقّاد إلى أن الهالة التي أحاطت باسم "نازك الملائكة" ليس منشأَها قصيدةُ "الكوليرا" التي افتتحت بها إسهاماتها في حركة التجديد في الشعر العربي، وقدمتها كشاعرة تجريبية بالدرجة الأولى، وإنما أهمية هذه القصيدة أولاً وتجربة "الملائكة" الشعرية تكمن في أنها تحمل في عمقها مشروع الحداثة.
معنى الريادة الشعرية عند "الملائكة" ينحو باتجاه صوغ  الرومانسية ضمن نسيج رؤيوي موسيقي مبتكر.. ففي دواوينها: عاشقة الليل، شجرة القمر، مأساة الحياة، شظايا ورماد، قراءة الموجة، ويغير ألوانه البحر، وغيرها نعثر على عالم شيفري ينطوي على تجربة ثرية فيها السياسي كما في ديوان "شجرة القمر" 1968، الذي يتضمن قصائد حماسية عن فلسطين والوحدة العربية والثورة العراقية، وفيها الرومانسي الحالم كما في "عاشقة الليل" 1947، وفيها الألم الإنساني وتحسس المآسي البشرية كما في ديوانها "شظايا ورماد" 1949، الذي  يتضمن قصيدتها الشهيرة "الكوليرا". قد نتفق وقد نختلف حول أسبقية "الملائكة" في الريادة الشعرية، لكننا شئنا أم أبينا نودع واحدة من أهم  التجارب الشعرية والنقدية التي رافقت التحولات الشعرية المعاصرة في الثقافة العربية.
الانتقاد/ العدد1221 ـ 29 حزيران/يونيو2007

2007-06-29