ارشيف من : 2005-2008

عائشة... حكاية فلسطينية سُلب حلمها بأيدٍ فلسطينية

عائشة... حكاية فلسطينية سُلب حلمها بأيدٍ فلسطينية

غزة ـ فادي عبيد

"ما زلت أشعر أنه كابوس... فعلاقتي معها لم تكن مجرد علاقة أم بابنتها، لقد كانت بالنسبة لي أكثر من أخت، كانت النفس الذي أتنفسه، والنور الـذي أرى به".
 بهذه الكلمات وبصوت مرتعش بدأت (أم غفران) في الأربعينيات من العمر الحديث عن ابنتها الشهيدة عائشة ماهر يعقوب الشوا ابنة الـ(18 عاماً)، والتي قتلت في الرابع عشر من الشهر الجاري أثناء عودتها من امتحان الثانوية العامة، ولكن ليس برصاص الاحتلال الصهيوني كما جرت العادة، وإنما برصاص فلسطيني خلال الاشتباكات الدامية التي شهدها قطاع غزة بين حركتي فتح وحماس.
وعن اللحظات الأخيرة قبيل مقتل عائشة حدثتني والدتها، فقالت: "ظلت مستيقظة حتى وقت متأخر، أتذكرها حينما كانت تحاول أن تجد مكاناً آمناً تختبئ فيه بعيداً عن الاشتباكات المرعبة القريبة من منزلنا، في الصباح وقبل أن تخرج إلى مدرستها وقد عاد الهدوء إلى حدّ ما، طلبت إحدى جاراتنا أن تجيب عائشة عن سؤال صعب لابنها ففعلت ذلك، ومن ثم توجهت إلى امتحانها مع صديقاتها، مرت الساعات لكنها لم تعد بالرغم من أنها كانت دائماً تعود مبكراً، حينها بدأ القلق يسيطر عليّ، إلى أن رن جرس الهاتف وإذا بإحدى صديقاتها تخبرني بأن عائشة أصيبت بعد أن تعرضت السيارة التي كانت تقلها إلى عدة أعيرة نارية لدى مرورها بالقرب من أحد الأبراج السكنية لحظة حدوث تبادل لإطلاق النار، فما كان مني إلا أن خرجت مسرعة، لا أدري أين أذهب، بقيت كذلك حتى أوصلني جارنا برفقة زوجته إلى مستشفى الشفاء بأعجوبة بسبب كثافة النيران في الشوارع، وهناك تلقيت الخبر المفجع "حسبي الله ونعم الوكيل".

ذكريات باقية
وعن شخصية عائشة، قالت والدتها وقد بدت مكسورةً ودموع الحسرة تغطي وجهها: "هي البكر في إخوتها السبعة (غفران، محمد، سمير، صباح، سوسن، نوران)، كانت حنونة جداً، طيبة، متسامحة، ذكية، ملتزمة، وكانت مطيعة جداً، ولا أذكر أنها أغضبتني، ووالدها حُرم من وداعها بسبب وجوده في أبو ظبي حيث يعمل منذ عدة سنوات".   
أما عن ذكرياتها، فأوضحت أم غفران أن كل ركن في المنزل وكل لحظة تذكرها بعائشة وحنانها الذي فاق حنان الأم على أبنائها، حيث كانت وبالرغم من امتحاناتها ترهق نفسها بتعليم أشقائها ومساعدتهم في دراستهم، كما كانت تحنو عليهم إذا ما حزنوا من شيء، أو قست عليهم في كلامها.
صباح، ابنة الثمانية أعوام، الأخت الصغرى للشهيدة، وبالرغم من حداثة سنها إلا أنها عبرت عن حبها لأختها بطريقتها، حيث احتفظت بقطعة من الحلوى تركتها عائشة قبل استشهادها كنوع من الذكرى.
لم تكن عادية
عائشة لم تكن تحظى باحترام وحب أفراد أسرتها فحسب، بل كانت نجمة ساطعة أينما حلت نشرت نور حيائها وعلمها، وهو ما لمسناه خلال حديثنا مع بعض مدرساتها وصديقاتها.
تمام الزميلي ـ ناظرة المدرسة التي كانت تدرس فيها عائشة ـ تحدثنا إليها وسألناها عما كانت تعرفه عن الشهيدة، فأجابت: "بدايةً أقل ما يمكن أن أصف به خبر استشهاد عائشة بالصدمة المفجعة ليس لي وحدي أو للمدرسة، ولكن لجميع الفلسطينيين، أما عند الحديث عن شخصيتها لربما الكلمات لن تسعفنا حقيقةً، فهي منذ بداية التحاقها بالمدرسة كانت من الطالبات المتميزات، ليس على صعيد تحصيلهن الدراسي فحسب، بل وعلى صعيد أخلاقهن، فهي بالفعل كانت طالبة خلوقة، مهذبة، ومجتهدة لدرجة أننا كنا نتوقع أن تكون من الأوائل على مستوى الوطن هذا العام".
رحيل عائشة وأقصد كل من هو مثلها في سلوكها وذكائها، خسارة لشعبنا الفلسطيني بأسره الذي هو بحاجة لكل مُجد يساعد في بنائه، وهنا يجب أن نؤكد للجميع أنه لا بديل عن وحدتنا التي دفعت عائشة وغيرها أرواحهم من أجلها.
شيء ينقصني
الحال بدا أكثر تأثيراً وألماً عند حديثنا مع صديقات عائشة اللواتي كن معاً في كل خطوة بحلوها ومرها.
تقول دعاء وادي، وهي من الصديقات المقربات جداً للشهيدة: "خبر استشهادها كان مفاجئاً، شيء لا يعقل، لدرجة أنني لم أصدقه، ولم أتمالك نفسي فسقطت مغشياً عليّ. ومضت دعاء وقد أجهشت بالبكاء تروي اللحظات الأخيرة قبيل وداع عائشة: لقد كنت معها في نفس اليوم، غادرنا المدرسة معاً وقد كان صوت الرصاص يحيط بنا من كل اتجاه، فألححت عليها أن تأتي معي إلى أن يهدأ إطلاق النار لكنها رفضت، ولما عدت إلى المنزل تفاجأت بالخبر ولم أجد سوى البكاء أمامي لعلّي أواسي نفسي برحيلها، لقد كانت صديقة حقيقية، تشجعنا باستمرار، متسامحة مع الجميع، أنا الآن أشعر بشيء ينقصني، عائشة لم تكن صديقتي بل أختي، حسبي الله ونعم الوكيل.. قضوا على آمالها وطموحاتها من دون أي ذنب!!.
عائشة واحدة من مئة وستين فلسطينيا قتلوا في المواجهات الدامية التي وقعت بين فتح وحماس مؤخرا اضافة الى 700 جريح معظمهم أصيبوا بإعاقات، ما شكل صدمة للأغلبية الصامتة من الفلسطينيين، وخاصة ان عدداً من القتلى والجرحى مثل عائشة لم يكونوا مقاتلين في فتح او حماس.
الانتقاد/ العدد1221 ـ 29 حزيران/يونيو2007

2007-06-29