ارشيف من : 2005-2008

وللديمقراطية أنيابها

وللديمقراطية أنيابها

تلك هي الخلاصة التي يخرج منها المراقب المحايد لكيفية تعامل السياسيين اللبنانيين مع الدستور اللبناني، لا شفقة ولا رحمة ولا حرمة الدستور يصلح للشيء وضده.. خرقة لمسح المواقف وجعل الممنوع مسموحاً والمسموح ممنوعاً، دستور فالت من أي قيد، طالق من أي فهم سوي، داشر في براري السياسيين وبربريتهم النزقة.
ماذا بقي من الدستور اللبناني؟
الرئاسة الأولى مؤيدة دستورياً ومطعون بها كذلك، وليس هناك من هيئة دستورية تبت بهذا الخلاف.
مجلس الوزراء مؤيد دستورياً ومطعون به دستورياً، وليس من مرجعية دستورية لتحسم في شرعية أو لا شرعية الحكومة.
مجلس النواب مقفل بحجة دستورية، وإقفاله مخالفة دستورية أيضاً، وليس من هو مؤهل للحسم في دستورية الإقفال والفتح.
توقيع رئيس الجمهورية ضروري دستورياً، وغير ضروري كذلك.. قرارات الحكومة دستورية ومطعون بها وغير مقبولة أيضاً.. توقيع رئيس الجمهورية المعاهدات الدولية ضروري وغير ضروري أيضاً..
الطعون النيابية متوقفة، وقد تحصل انتخابات جديدة قبل إيجاد الهيئة الدستورية للبت بالطعون، هذا إضافة إلى تسيّب سياسي وطني وقومي اختلط فيه الصديق بالعدو والحليف بالمتآمر..
هذا وطن يمكن تعريته من دستوريته وفق أهواء أهل السلطة فيه.. وطن بلا سياج يحميه من مطامع ومشاريع التسلط، وطن ذاهب إلى المجهول وإلى ما يشبه الحرام الوطني.
لبنان على عتبة استحقاقات دستورية، فريق يغني لمصلحته بالنصف زائد واحد، فيما فريق آخر على خلاف عميق مع السلطة وأدائها وشرعيتها، يرى في انتخابات الرئيس شرط نصاب الثلثين، وإذا حصل الاستحقاق في ظل هذا الخلاف، فالبلد راحل إلى حتفٍ يصل اليه بالتقسيط.
لبنان أمام انتخابات فرعية يلزم أن تتمتع بكامل الشرعية، إلا أن عدم توقيع رئيس الجمهورية يفقدها شرعيتها وفق فريق المعارضة، فيما يرى فريق السلطة أن شرعيتها لا تحتاج إلى توقيع بعبدا.
والحبل على الجرار..
ماذا يعني ذلك؟
لست أنا أو من هم في مستواي من عموم الناس، من يفتك بالدستور ويعطل القوانين.. لست أنا ومن مثلي من زوّر انتخابات عام 1947، وتلاعب بالدستور للتجديد لبشارة الخوري.. ولست كذلك من أفتى بإسقاط بعض زعماء لبنان، فانحل الدستور وذهب ليصفي نصوصه في الشارع.. لست كذلك من فعل الشيء ذاته عام 1973 حتى اليوم.. نحن كشعب لبناني براء من هذه الفتن الدستورية، وإن كان بعضنا ذهب كـ"كرجة المي" إلى الفتن الطائفية.
إنها الطبقة الطائفية السياسية التي لا مقدس عندها.. والمقدس في الدول والذي له في الوطن المنزلة الأولى هو الدستور، فإذا كان الدستور يُنتهك بهذه الطريقة فما بالنا بالناس الذي لا يحميهم من سطوة السلطة إلى رحمة ربّهم!
تعيش اليوم السلطة السياسية وفريقها على أرضية دستورية هشة، استعاضت عنها بتأييد دولي مصاب بالعمى السياسي. وهذا التأييد اعتدنا على عماه في ما يخص "اسرائيل"، فهو معها أكانت معتدية أم محتلة أم مستهترة.. كل ما تقوم به "اسرائيل" مطوّب دولياً.. حتى آرييل شارون فُتحت له أبواب العواصم كرجل سلام، فيما كانت مقفلة أمامه لأنه متهم بصبرا وشاتيلا.
ليس لدى لبنان مناعة دستورية..
ليس لدى لبنان مناعة وطنية..
ليس لدى لبنان مناعة ذاتية..
لذا تعرضه السلطة للطبيب الدولي ليحقنه بمضادات حيوية.. مقتل الديمقراطية فيه، ولن يضير هذه الدول إن كانت الحكومة ديمقراطية أم لا، المهم أن تنفذ سياسة تتفق مع محور الهيمنة الأميركية ـ الاسرائيلية.. تماماً كما فعلت عندما لم يرف لها جفن إزاء انتصار "حماس" في الانتخابات، فمارست ضدها حصاراً خانقاً وتأييداً ملغوماً لأجهزة أمنية أضاعت بوصلتها فانفجرت في غزة.
إذا كان اللبنانيون غير مدربين بحكم طوائفهم وقياداتهم وقبائلهم وعشائرهم على احترام الدستور والقوانين، فما الذي يمنع أوروبا الديمقراطية جداً من احترام دستورنا والقانون الأساس في فلسطين؟
لا شيء.. سوى أن للديمقراطيات الغربية أنيابا أشد من الدكتاتورية.. ونتعرض نحن اليوم لهذا الفتك الدولي.
نصري الصايغ
الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007

2007-07-06