ارشيف من : 2005-2008
بعد أن حولت واشنطن لبنان إلى ساحة مواجهات متنوعة : المساعي الحالية جدية، أم مناورات لتقطيع الوقت؟
تبدو الساحة السياسية منشغلة بالسيناريوهات التي يمكن أن تحكم مسار الأوضاع في المرحلة المقبلة. وفي هذا الإطار، فإن محاولة الجمع بين مجمل المعطيات، والاتصالات، والمواقف الصادرة من هذه الجهة أو تلك، والتسريبات الخاصة بما يدور في كواليس الأطراف المعنيين بالأزمة اللبنانية، يقود إلى الخلاصات والاستنتاجات الرئيسية التالية:
أولاً: إن المساعي الدولية والإقليمية والعربية الهادفة إلى إيجاد مخرج للأزمة السياسية الداخلية ما زالت ناشطة، وأبرزها ما سيحدث في الأيام المقبلة في باريس من خلال استضافة اللقاء الحواري لقيادات من الصف الثاني، تمثل القوى والاتجاهات السياسية التي تنتمي اليها، اضافة إلى الزيارة المتوقعة لوزير الخارجية السعودي سعود الفيصل إلى طهران في سياق تنشيط المسعى السعودي ـ الإيراني لمعالجة العديد من ملفات المنطقة، ومن ضمنها الملف اللبناني، والزيارة المرتقبة للأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إلى دمشق، والكلام الذي يدور عن احتمال عقد قمة عربية ثلاثية تضم كلاً من الرياض والقاهرة ودمشق، والتي لا بد من أن يكون الملف اللبناني على جدول أعمالها.
إن الانطباع الأول الذي تتركه هذه المساعي هو أن احتمالات التوصل الى تسوية ما يبقى وارداً، وبالتالي فهي تبقي فرص التسويات قائمة، ومعها الآمال.
لكن ما لا يجب إغفاله من الحسابات هنا هو الملاحظات الرئيسة التالية هنا:
أ ـ إن المسعى الفرنسي على أهميته يبدو معنياً بالتأشير للتمايز الذي يريد الرئيس ساركوزي إظهاره عن عهد الرئيس السابق جاك شيراك، ذلك أن هذا النوع من المساعي يصح في ما لو أن الأزمة اللبنانية لم تبلغ بعد هذه الدرجة العالية من الخطورة، وأن الوقت المتاح للحيلولة دون تفاقمها أكثر ما زال طويلاً. كما أن المسعى الفرنسي الذي يحاول أن يميز نفسه أيضاً عن التوجه الأميركي العام يصطدم بما تريده واشنطن حقيقة.
ب ـ أن واشنطن لا تبدو راضية جداً عن الأسلوب الفرنسي الجديد، ولذا هي سارعت الى صب ماء بارد وثقيل عليه، والى التقليل من شأنه عبر حلفائها اللبنانيين.
ب ـ لا يظهر المسعى العربي ـ حتى الآن ـ الجدية والحزم المطلوبين، وهي مساعٍ تحاول الباس أهداف فريق السلطة غطاءً عربياً لتقدمه بصورة التسوية، أكثر مما أنها تطلق مبادرات تسووية فعلية.
ج ـ ان دمشق التي هي باعتراف الجميع لها دور أساسي في أي مقاربة للأزمة اللبنانية، تبدو اليوم محيدة بقرار أميركي، وأكثر من ذلك، فبدلاً من إشراكها في الحلول يجري إقحامها في صراعات مفتعلة يديرها الأميركي عبر وكلائه المعتمدين في لبنان.
خلاصة القول هنا، ان هذه المساعي اذا لم تأخذ الزخم والحزم الضروريين، وفي وقت وشيك، فإنها ستبدو حينئذٍ أقرب الى عملية مدروسة لتضييع الوقت عبر زرع الأوهام والآمال الزائفة، وبهدف تمييع خيارات المعارضة، ومنح الفرصة كاملة لإدارة بوش لتتلمس خياراتها النهائية.
ثانياً: إن مأزق واشنطن في تصاعد مستمر في العراق، وفي المنطقة، وانعكاسات هذا المأزق على إدارة بوش في تزايد مستمر، حيث السقف الزمني الممنوح له لتقديم تقرير وافٍ عما ستؤول اليه الأمور في العراق بدأ يضيق، وهو سينضب في أواخر أيلول المقبل، يضاف الى ذلك لجان التحقيق التي قام الكونغرس بتشكيلها في عمليات الفساد والرُّشى التي بلغت مليارات الدولارات، والتي من شأنها أن تنال العديد من أركان إدارة بوش، وفي طليعتهم نائب الرئيس ديك تشيني.
وبالرغم من هذا كله، ما زالت ادارة بوش مصرة على نمط المواجهات في تعاطيها مع مآزقها، أكثر منها البحث عن حلول وتسويات ناجحة، وهي في هذا الإطار، تعمل على ربط لبنان بتوجهاتها العامة في المنطقة، عبر فتحه على كل صراعاتها، وتحويله الى ساحة رئيسية لهذه الصراعات، وبالتالي، فهي تعطل أي مساعٍ حالية لإيجاد مخارج، لأنها تريد ربط ذلك في حال اقتناعها به، بالتوقيت الذي يلائمها اقليمياً.
ثالثاً: من يراقب حركة العدو الاسرائيلي يشهد جهوداً حثيثة ليس فقط لإعادة ثقة الجيش الاسرائيلي بنفسه، ولاستيعاب دروس عدوان تموز، وإنما من أجل التحضير لحرب قادمة، وهذه الحرب ـ وكما يبدو من خلال مجمل المناورات التي قام وسيقوم بها جيش العدو الاسرائيلي ـ تشمل ثلاث جبهات رئيسية: الجبهة اللبنانية مع المقاومة، والجبهة السورية والجبهة الايرانية.
ومن الواضح، أن هذه التحضيرات تندرج في سياق برنامج تدريبي يحتاج الى الوقت، لكي يصبح الجيش الاسرائيلي جاهزاً للتعامل مع الأهداف المشار اليها آنفاً.
رابعاً: إن جملة الملفات قام الأميركي عبر وكلائه المعتمدين في لبنان بفتحها دفعة واحدة ألا وهي:
جبهة ملف الانقسام السياسي الداخلي على خلفية الصراع على الخيار السياسي الوطني للبنان، والذي له ممر الزامي هو الإمساك بمواقع السلطة كاملة، وفي طليعتها موقع رئاسة الجمهورية باعتباره مفتاح الإمساك بالحكومة.
ـ ملف الصراع مع سوريا عبر تحويل لبنان الى ساحة للضغط عليها سواء من خلال المحكمة الدولية، أم من خلال افتعال مشكلة الحدود معها، أم من خلال تحميلها مسؤوليات كل الأحداث الأمنية في لبنان.
ـ ملف الصراع مع تنظيم القاعدة في لبنان من خلال الحاق لبنان بالحرب الأميركية على ما تسميه الإرهاب.
باختصار إن لبنان اليوم هو ساحة تصفية حسابات أميركية أكثر منه ساحة تسويات.
سادساً: إن ما يشغل بال واهتمام واشنطن ووكلائها المعتمدين في فريقي السلطة و14 شباط في المدى المنظور هو كيفية التعامل مع احتمال لجوء المعارضة الى خيار تشكيل حكومة بديلة، وفي هذا السياق يمكن ملاحظة التالي.
أ ـ شروع واشنطن وحلفائها الاقليميين والدوليين والمحليين في شن حملة استباقية هدفها محاصرة واحتواء هذه الخطوة مسبقاً بالتهويل وممارسة الضغوط على أنواعها.
ب ـ ثمة سيناريو يجري الترويج له يتمثل باحتمال تقديم الوزيرين المر ومتري استقالتهما، ما يجعل حكومة فريق السلطة بحكم المستقيلة دستورياً، ويدخلها في مرحلة تصريف الأعمال، وذلك بهدف إكسابها الشرعية الدستورية العامة، وتحويلها الى السلطة الإجرائية الموكلة ملء الفراغ الدستوري في حال لم يتم التوصل الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية، بشكل أوضح، في حال استقالة وزيرين من حكومة السنيورة، فهذا سيفتح أبواب تصريف الأعمال أمام حكومة السنيورة من الناحية الدستورية والقانونية، لكنه أيضاً يسمح لرئيس الجمهورية بالدعوة الى استشارات ملزمة، فإما أن يتم التوافق على اسم الرئيس المقبل وتركيبة الحكومة الجديدة، وإما أن تدخل البلاد في أزمة تكليف جديدة، كل ذلك للالتفاف ولإجهاض توجه المعارضة نحو تشكيل حكومة جديدة.
خلاصة القول هنا، من الواضح، أن من يبحث في هكذا مخارج ليس لديه النية للتوصل الى تسويات فعلية باتت معروفة مقوماتها بالكامل للجميع، الأمر الذي يجعل الحذر مطلوباً خصوصاً إزاء ما تبيته واشنطن للبنان من نيات خبيثة جوهرها إشاعة الفوضى السياسية والأمنية فيه استنزافاً له، ولكل الأفرقاء فيه، وذلك في سياق شراء الوقت للعدو الاسرائيلي لكي يكون قد أكمل ترتيباته لحرب جديدة إزاء لبنان قد يكون البقاع ساحتها الرئيسية هذه المرة لفتح الطريق أمام استدعاء قوات دولية للفصل بين سوريا ولبنان نهائياً، وإمعاناً في ضرب حصار استراتيجي على المقاومة.
فهل تكون الأشهر القادمة حارة جداً، ومرحلة إشعال الحرائق المتنقلة كما تشيع الصحافة الأميركية، أم يحدث المستحيل، وندخل مرحلة التسويات الفعلية؟ الأيام المقبلة كفيلة بأن تحمل الأجوبة الحاسمة عن هذه الأسئلة.
مصطفى الحاج علي
الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018