ارشيف من : 2005-2008
خمسة أهداف رئيسية وراء استهداف قوات الطوارئ الدولية
فتح الاعتداء الذي تعرضت له في سهل الخيام القوات الاسبانية المنضوية في قوات الطوارئ الدولية، الباب أمام تكهنات وتساؤلات كثيرة، ولو أن هذا الاستهداف كان متوقعاً وليس مفاجئاً على مستوى الفعل، نظراً لما سبقه من تهديدات وجهها تنظيم "القاعدة" لهذه القوات، إلا أنه نقل الهاجس الأمني من مرحلة التوقع إلى مرحلة قراءة الخلفيات والأهداف الكامنة وراء توريط القوات الدولية في ملفات الداخل اللبناني، خصوصاً أن هذا الاعتداء جاء بعد وقت قليل من إطلاق صواريخ كاتيوشا مشبوهة على شمال فلسطين المحتلة، في وقت كان أقطاب فريق 14 شباط قد جهزوا بياناتهم "الاستنكارية" ووجهوا اتهاماتهم تصريحاً وتلميحاً باتجاه حزب الله، على الرغم من أن أصحاب الشأن لم يكونوا بهذا القدر من التحامل على الحزب، بل حرصوا في أي مناسبة على التنويه بتعاون حزب الله وتجاوبه في أي خطوة ميدانية وسياسية تتعلق بعمل القوات الدولية.
ولا يمكن فصل هذا التطور جنوباً عما جرى ويجري شمالاً، حيث إن العناوين التي تتحرك على الأرض في كلا المنطقتين هي نفسها، والاستهدافات المريبة التي ترمي إلى إقحام القوى الأمنية اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، هي نفسها أيضاً. كما أن العناصر التي تحركها الإدارة الأميركية في الداخل سعت ولا تزال إلى أخذ الأمور باتجاه خوض المعركة الأميركية على الساحة اللبنانية تحت عنوان محاربة الارهاب، وذلك بموازاة توظيفات أميركية ـ شباطية لإقحام العنصر السوري، بادّعاء السماح بمرور العناصر "القاعدية" والسلاح عبر الحدود، من دون إغفال ذكر إيران بادّعاء وصفها أحد أهم عناصر التغطية السياسية الاقليمية، انسجاماً وتماشياً مع النزعة الجنبلاطية الموتورة.
من الواضح أن توتير الأجواء جنوباً في أماكن انتشار قوات الطوارئ الدولية يستهدف تحقيق جملة من الأهداف في إطار الخارطة المرسومة للمرحلة المقبلة على المستويين الداخلي والاقليمي، وهذا ما تشير اليه مصادر سياسية. وتدرج المصادر الأهداف على الشكل التالي:
أولاً: تعويم مطالبات قوى 14 شباط التي تنادي بنشر قوات دولية على الحدود اللبنانية ـ السورية، بحجة ضبط "الفلتان الأمني" الذي يسمح بتهريب السلاح والمسلحين.
ثانياً: إشعال محدود للوضع الأمني على الأرض، ما يفرض البحث في ما أطنب فريق 14 شباط في التحدث عنه، بتحويل المهام العسكرية للقوات الدولية المنتشرة جنوبي الليطاني بذريعة حفظ الأمن الذاتي، بموجب القرار 1701.
ثالثاً: العمل في مرحلة لاحقة على رفع نسبة التوتر باتجاه تعديل القرار 1701، أو استصدار قرار آخر يسمح بتحويل القوات الدولية إلى قوات فصل بين لبنان وفلسطين المحتلة، أو استجلاب قوى دولية أخرى بعناوين مختلفة تحت الفصل السابع.
رابعاً: الإمعان في توتير الأجواء السياسية وتقويض آخر عناصر الالتقاء بين لبنان وسوريا، باتجاه استدراج دمشق إلى فرض نوع من القطيعة الجيوسياسية، من خلال إقفال الحدود بين البلدين.
خامساً: توفير العناصر الموجبة بعد إقفال الحدود، لتنفيذ مخطط شق معبر برّي من راشيا عبر الجولان باتجاه العقبة، مع ما يرافق ذلك من تطبيع مباشر وغير مباشر مع الكيان الصهيوني.
ولكن هل لاقى هذا المسعى، أو هل سيلاقي اذا تجدد هذا النوع من الاعتداءات، طريقه إلى النجاح؟ الجواب يكمن في مجموعة من العوامل الطبيعية التي تكفل إجهاض أي مشروع من شأنه إدخال البلاد في أتون صراعات داخلية جديدة، مهما تعددت واختلفت العناوين، وأهمها:
أولاً: حرص حزب الله قولاً وفعلاً على التعاون والتنسيق مع القوات الدولية، وتوفير كل العناصر الميدانية التي تسهم في قيام هذه القوات بمهامها وفق ما نص عليه القرار 1701. وهذا ما أكدته تصريحات المسؤولين المعنيين في حزب الله وقوات الطوارئ على حد سواء، فضلاً عن مساهمة حزب الله في توفير المعلومات التي تفيد القوات الدولية في تحقيقاتها لمعرفة الجهات والأشخاص التي تقف وراء تفجير سهل الخيام، وهذا ما تناقلته وسائل الإعلام في المرحلة التي لحقت الاعتداء على "اليونيفيل"، وبالتالي فإن حزب الله أضحى عامل استقرار في الجنوب بعكس ما يحاول الشباطيون ادعاءه.
ثانياً: التزام حزب الله بممارسة دوره كقوة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وعدم قيامه بأي شكل من الأشكال بمهمة حفظ الأمن الذي هو من مهام الأجهزة اللبنانية الرسمية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، وهو ما أعلنه حزب الله ويعلنه كل يوم، قبل حرب تموز وإصدار القرار 1701 وانتشار القوات الدولية وبعده.
ثالثاً: اعتاد المجتمع الجنوبي التعايش مع قوات الطوارئ منذ سنوات طويلة، حتى أن هناك الكثير من الجنود الدوليين قد تزوجوا من جنوبيات، ومنهم من استقر في لبنان.. وقد لاحظت القوة الجديدة المنتشرة اليوم احتضان الجنوبيين لهم، وتوفير البيئة الاجتماعية والإنسانية الآمنة، ما يسهم في تكوين صمام أمان إضافي يقف حائلاً أمام أي تطور سلبي قد يحصل نتيجة أي اعتداء مشابه.
لقد راهنت بعض القوى في الداخل مستفيدة من التهديدات التي أطلقها تنظيم "القاعدة"، على نقل كرة النار إلى الجنوب، كما تعمل واشنطن على توسيع رقعة الحرب بينها وبين "القاعدة" من خلال مد فتيل الانفجار من أفغانستان والعراق إلى داخل لبنان.. ولكن يبدو أن حسابات الحقل الأميركي لم ولن تنطبق على حسابات البيدر اللبناني.
محمد الحسيني
الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018