ارشيف من : 2005-2008

اختيار ثلاثة قضاة لبنانيين للمحكمة الدولية يصطدم بتعارض قانوني

اختيار ثلاثة قضاة لبنانيين للمحكمة الدولية يصطدم بتعارض قانوني

حسم مجلس القضاء الأعلى خياره بشأن القضاة المرشّحين للمشاركة في عضوية المحكمة ذات الطابع الدولي للنظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، واختار 12 اسماً رفعها إلى وزير العدل غير الشرعي شارل رزق لكي يقدّمها بنفسه إلى مجلس الوزراء الفاقد للشرعية تمهيداً لإرسالها إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لانتقاء أربعة منها، فضلاً عن واحد خامس ليكون مساعد مدعي عام المحكمة.
واتضح من جملة التسريبات في أروقة قصر عدل بيروت أنّ بين الأسماء المتفق عليها ثلاثة قضاة هم: جوسلين ثابت ورالف رياشي وشكري صادر لا يحقّ لهم، بحسب القانون اللبناني، أن يكونوا أعضاء مشاركين في المحكمة ذات الطابع الدولي لسبب بسيط وجوهري، وهو أنّهم شاركوا في الاجتماعات التي كانت تعقد بين القضاء اللبناني ولجنة التحقيق الدولية في عهدي رئيسيها، المحقّق التضليلي الألماني ديتليف ميليس، والقاضي البلجيكي سيرج برامرتز، ووفد الأمم المتحدة للشؤون القانونية برئاسة نيكولا ميشال، واطلاعهم على تفاصيل التحقيقات الأولية لدى اللجنة المذكورة، والتحقيقات الاستنطاقية لدى المحقّق العدلي القاضي الياس عيد، ومعرفتهم بكلّ خطوة كانت تحصل في مجريات الملفّ، وبالتالي تكوين قناعة ورأي مسبقين يخشى أن يؤثّرا على قدسية مبدأ إحقاق الحقّ الذي هو الحدّ الفاصل للعدالة النزيهة والشفّافة والبعيدة عن أيّة غاية.
وبحسب القوانين اللبنانية المرعية الإجراء ولا سيّما قانوني أصول المحاكمات الجزائية وقانون أصول المحاكمات المدنية، فإنه لا يحقّ لأي قاض نظر أو اطلع على أيّ ملفّ في أيّة مرحلة من مراحل الادعاء والتحقيق، أن يكون عضواً في الهيئة الحاكمة المولجة بالبتّ نهائياً، سواء بالتجريم أو بالتبرئة، وإذا صودف أن حصلت معرفة يقينية لأيّ قاض بأيّ ملفّ استقرّ لديه أو في محكمته، عمد من تلقاء نفسه إلى التنحّي بسبب وجود تعارض ومانع قانوني يمسّ بمبدأ إحقاق الحقّ ولا يمكن التفريط به أو التنازل عنه، وإذا لم يعزل نفسه بنفسه فإنّه يصار إلى طلب ردّه وتبيان الأسباب المولجة لهذا الطلب الذي يقدّم لمحكمة الاستئناف في بيروت، وفي ضوء مذاكرتها تقرّر مصير بقاء هذا القاضي المعني أو عزله وانتداب أو تكليف قاض آخر مكانه.
ويشرح أحد القانونيين الأمر على الشكل التالي:
أولاً: لا يجوز لمن يتولّى التحقيق في قضية ما أو أنّه عضو في النيابة العامة أن يكون قاضي حكم فيها في آن معاً، وهذا ما تؤكّده المادة 52 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تنصّ على التالي: "لا يجوز لقاضي التحقيق الذي يتولّى التحقيق في قضية ما، أن يحكم فيها أو أنْ يشترك في الحكم فيها".
ثانياً: بحسب المادة 120 من قانون أصول المحاكمات المدنية فإنّه لا يجوز النظر في أيّة دعوى بصفة معيّنة ثمّ يعود وينظر فيها بصفة أخرى.
ثالثاً: لا يمكن لمن أبدى رأياً مسبقاً في دعوى ما أن يحكم فيها.
رابعاً: إنّ اللياقة والشفافية والموضوعية تفرض استبعاد القضاة المشاركين في التحقيق في دعوى ما، حتّى ولو كان الواحد منهم منزّهاً عن الميل، ولديه الحرص الشديد لإظهار الصورة الحقيقية للقاضي النزيه، فالأمر لا يتعلّق بشخص، بل بالمبادئ الدولية العامة المتفق عليها، وبالحقوق وبما يمكن أن يترتّب على هذا الفعل من نتائج.
وهذا الأمر ينطبق حرفياً على القضاة الثلاثة جوسلين ثابت ورالف رياشي وشكري صادر.
 فالأولى حضرت مراراً الاجتماعات مع لجنة التحقيق الدولية وكلّفها النائب العام التمييزي سعيد ميرزا باعتبار أنّها ساعده الأيمن الذي يعوّل عليه في المهمّات الدقيقة ومراجعة البريد اليومي، بالسفر إلى فرنسا من أجل لقاء المسؤولين في القضاء الفرنسي واستجواب شاهد الزور السوري محمّد زهير الصدّيق بعدما تعذّر حضوره إلى لبنان بسبب "الفيتو" الفرنسي الذي يرفض السماح له بالمجيء إلى لبنان حيث أنّه مدعّى عليه بجرم إعطاء شهادة كاذبة وتضليل التحقيق ما أدّى إلى توقيف الضبّاط الأربعة اللواءين جميل السيّد وعلي الحاج والعميدين ريمون عازار ومصطفى حمدان.
كما أنّ القاضي رياشي كان يتحرّك في لقاءاته مع لجنة التحقيق الدولية بوصفه المنسّق بينها وبين وزارة العدل اللبنانية، فضلاً عن أنّه كان عضواً في الوفد القضائي اللبناني الثنائي الذي شارك في الاجتماعات التحضيرية مع الدائرة القانونية في الأمم المتحدة لإعداد نظام المحكمة ذات الطابع الدولي، والأمر نفسه ينطبق على زميله في الوفد المذكور القاضي صادر.
ومما لا شكّ فيه أنّ استبعاد هؤلاء القضاة الثلاثة، ولا سيما رياشي، هو خسارة للمحكمة وللتمثيل اللبناني في المحكمة، كونهم ضليعين في القانون الجزائي ولهم خبرة طويلة ولا يستهان بها في هذا العلم القائم بحدّ ذاته، ولهم مراس مديد ومتين في التحقيق والمحاكمة.
 ولكنّ وجودهم، في حال حصوله، في عضوية المحكمة، مخالفٌ للقوانين اللبنانية، ويحتم على مجلس القضاء الأعلى أن يتدارك هذا الخطأ الفادح، ويتفاداه، قبل أن يضطرّ وكلاء الدفاع عن أيّ موقوف حالي أو في المستقبل، للطعن بشرعية وجودهم أو وجود واحد منهم على الأقلّ، والمطالبة بتنحيتهم وردّهم بحسب قانون أصول المحاكمات المدنية، وهو ما ليس لمصلحة تاريخهم وسمعتهم في القضاء.
التجاذبات السياسية
وفهم من مصادر متابعة لاختيار القضاة الاثني عشر أنّ الأمر خاضع للتجاذبات السياسية داخل حكومة فؤاد السنيورة غير الميثاقية، إذ أنّ هنالك وزراء يضغطون لتعيين قضاة مقرّبين منهم أو محسوبين على خطّهم السياسي في مخالفة صريحة لمبدأ فصل السلطات المنصوص عنه في الدستور، وهذا ما يستدعي مساءلة هؤلاء الوزراء المعروفين عن انتهاكهم للدستور، ويضاف إلى جملة الانتهاكات التي يدأبون على القيام بها في تصرّفاتهم السياسية وسلوكهم المريب.
وقد دفعت الخلافات داخل صفوف حكومة "السياديين الجدد" في آخر جلسة عقدتها يوم الاثنين في 25 حزيران/ يونيو 2007، إلى تأجيل البحث في ماهية الأسماء المنتقاة.
وذكرت معلومات لدى المعارضة أنّ النائب سعد الدين الحريري ينوي اختيار القضاة شخصياً لينالوا رضاه من دون العودة إلى مجلس الوزراء، علماً أنّه يفترض أن يكون حيادياً وألاّ يتدخّل في هذا الشأن الذي يُفْقد المحكمة مصداقيتها ويجعلها سياسية وكيدية بامتياز، ويضع عراقيل وحواجز مصطنعة ولكنْ أساسية، أمام معرفة القتلة الحقيقيين للرئيس الشهيد رفيق الحريري على غرار ما كان يحصل في ابتداع وزير التنصت و"الغرفة السوداء" المتفرنس، شهود الزور لتضليل التحقيق وتصوير الحقيقة سراباً بعيد المنال.
ورفض عدد لا يستهان به من القضاة الجزائيين، تعيينهم أعضاء في هذه المحكمة على الرغم من المخصّصات المالية الطائلة التي يتوقّع نيلها وتصل إلى حدود 45 ألف دولار أميركي، وتشمل الراتب الشهري وإيجار منزل "سوبر دولوكس" في أوروبا، ومرتّبات الحرّاس والمرافقين الأمنيين.
جلسة عاصفة للقضاة
وكشفت مصادر معنية داخل مجلس القضاء الأعلى لـ"الانتقاد" أنّ جلسة اختيار القضاة الاثني عشر كانت عاصفة، ولم تخلُ من بعض التوتّر، اضطرّ معها الموجودون داخل الغرفة المقفلة في الطابق الرابع من قصر عدل بيروت، إلى اللجوء إلى التصويت لتثبيت هذا القاضي أو انتقاء آخر مكانه، وهذا ما ولّد نفوراً وانزعاجاً لدى المستبعدين الذين كانوا ينتظرون اختيارهم وفي مقدّمتهم مدير عام وزارة العدل القاضي عمر الناطور الذي نال صوتين من أصل تسعة أصوات باعتبار أنّ هيئة مجلس القضاء ناقصة وغير مكتملة بعد تقاعد القاضي الدرزي سهيل عبد الصمد في شهر تشرين الثاني من العام 2006 وعدم تعيين قاض مكانه حتّى الآن.
 ويبدو أنّ تشكيل هيكلية هذه المحكمة لن يكون قريباً وإنْ كان العمل جارياً عليه بجدّ وحزم، وخصوصاً أنّ القاضي برامرتز لن يبقى رئيساً للجنة التحقيق الدولية، وتنتهي ولايته في نهاية العام 2007، بعدما حُسم أمر تعيينه مدعياً عاماً للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة خلفاً للقاضية كارلا ديل بونتي، وهو منصب أعلى وأرقى وكان يطمح إليه هو شخصياً ويمنّي نفسه به حيث تسنّى له أن يشغل منصب نائب ديل بونتي على مدى خمسة أعوام قبل أن يستقيل منه إثر تمديد مهمّته في رئاسة لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الحريري.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007

2007-07-06