ارشيف من : 2005-2008

الذكرى الأولى للحرب في كيان العدو: غياب اولمرت عن المراسيم إقرار بتآكل قدرة الردع

الذكرى الأولى للحرب في كيان العدو: غياب اولمرت عن المراسيم إقرار بتآكل قدرة الردع

أحيا الكيان الصهيوني الذكرى السنوية الأولى لعدوانه على لبنان، أو ما عُرف بحرب لبنان الثانية، (التي صادفت وفق التقويم العبري في الثاني من الشهر الجاري)، حيث أجريت سلسلة من النشاطات في عدد من المواقع، بينها المكان الذي نُفذت فيه عملية الوعد الصادق، و"كفار غلعادي" التي قُتل فيها 12 جنديا إسرائيليا في اليوم الخامس والعشرين من القتال (6/8/2007)، نتيجة صلية صاروخية لحزب الله. وإلى جانب ذلك جرت مراسم إحياء ذكرى الجنود الذي قتلوا خلال الحرب، وحضر المراسم رئيسة الدولة (إلى حين تسلم شمعون بيريس) ورئيس الكنيست داليا ايتسيك، وزير الحرب ايهود باراك، ووزير الحرب السابق عمير بيريس، إضافة إلى رئيس أركان الجيش الحالي غابي أشكنازي والسابق دان حالوتس.
أبرز ما لفت في مراسم احياء هذا الحدث هو غياب رئيس الهرم القيادي الذي اتخذ قرار الحرب وأدارها وما زال في منصبه، المتمثل برئيس الوزراء ايهود اولمرت، برغم أن الحدث التاريخي ترك آثارا سياسية واجتماعية ونفسية في مجمل الجمهور الإسرائيلي.
ولعل ما هو أهم من غياب اولمرت غير الطبيعي، هو الأسباب الكامنة وراءه، والتي لا يمكن إلا ان تكون محاولة من اولمرت لتجنب الواقع الأليم وعدم احراج نفسه في مواجهة الحضور الشعبي والسياسي، خاصة انه من المفترض في دولة قتل جنودها على طريق أهداف استراتيجية مفترضة، ان يأتي القائد أو من يمثله على الأقل، لتوجيه التحية للجنود ومخاطبة عوائلهم، شارحا لهم  الانجازات السياسية والأمنية التي تحققت بفعل "تضحيات" أبنائهم.
ولكن الواقع ان اولمرت علم أن الحضور لن يسمح له بأن يتكلم بهذا المنطق أو ان يوحي بخلاف ما عاينوه وما زالوا يعاينون تداعياته. وما يؤكد أن أسباب عدم حضور المراسم مرتبطة بالإطار الذي ذكرناه، هو ما صدر عن مكتبه الذي برر غيابه بالقول: إن رئيس الحكومة أراد التخفيف عن المشاركين في المراسم وتجنيبهم إجراءات التفتيش الأمني!! ولكن هؤلاء غفلوا أن معنى هذا الكلام هو أن على أولمرت بموجب هذا التبرير ألا يشارك لا سابقا ولا لاحقا، بأي تجمع شعبي أو سياسي بسبب الإجراءات الأمنية.
وفي هذا السياق نقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية تعليقات بعض عوائل الجنود القتلى على غياب اولمرت عن المراسم، ومنها عن والد أحد القتلى في "كفار غلعادي": "ليس مفاجئا أن يتغيب رئيس الحكومة عن كل حدث مرتبط بهذه الحرب، لأنها بالنسبة اليه كأنها لم تكن.. ومثلما لم يعرف ماذا يفعل أثناء الحرب، فإنه لا يعرف ماذا يفعل بعدها". وأضاف: "كان عليه على الأقل احترامنا في (إحياء ذكرى) السنة الأولى، لكنه للأسف يختبئ وراء ذرائع الاعتبارات الأمنية". بينما قال والد جندي آخر مقتول: "أعتقد انه (اولمرت) لا يجرؤ على النظر إلى أعيننا، فمشكلة أولمرت ليست ترتيبات أمنية كما يقولون في مكتبه، فهذا هراء وذرائع".
أما باراك فقد أدلى ببعض ما لديه في هذه المناسبة، ودعا إلى استعادة قدرة ردع الجيش الإسرائيلي، وأنه خلال الحرب تحولت الجبهة الداخلية للمرة الأولى منذ العام 1948 إلى جبهة قتال.
يبدو واضحا أن باراك أقرّ بتصدع قدرة ردع الجيش من خلال دعوته إلى استعادتها. ويلتقي ذلك مع التوصيف الذي أطلقه قبل أسابيع لنتائج حرب لبنان، عندما قال إنه يوجد في "إسرائيل" انكسار جماهيري يجب عدم الاستخفاف بأهميته، ناتج من سببين أساسيين، أحدهما التجربة الفاشلة خلال الحرب الأخيرة التي أدت إلى تآكل حاد في قدرة الردع الإسرائيلية، التي بُنيت في الأعوام الستين الأخيرة..
لكن النقطة الأبرز في كلام باراك هي تركيزه في كل ما جرى خلال الحرب، على استهداف الجبهة الداخلية للكيان الإسرائيلي، ولفته إلى ان هذا يحدث للمرة الأولى منذ العام  1948. ويمكن القول ان باراك وضع يده على نقطة الضعف الأساسية للكيان التي ضغط عليها حزب الله، والتي استطاع ان يؤثر من خلالها في مجريات الأحداث السياسية والعسكرية خلال الحرب، إضافة إلى البعد الاستراتيجي لاستمرار تساقط صواريخ حزب الله حتى اليوم الأخيرة من الحرب، لكونها أسقطت مبدأ مهما من مبادئ الأمن القومي الاسرائيلي.
أما رئيسة الدولة والكنيست داليا ايتسيك فركزت على دعوة حزب الله إلى تقديم أدلة على حياة الجنديين الأسيرين، والى إجراء تبادل معقول، فضلا عن إقرارها بحصول هزة كبيرة خلال الحرب ما زال الجمهور الإسرائيلي يشعر بها حتى الآن.
دعوة ايتسيك  حزب الله إلى تقديم أدلة على حياة الجنديين تؤكد مرة أخرى صحة تكتيك المقاومة في بعديه الإنساني والسياسي، من جهة أن غموض مصير الجنديين يشكل ورقة إضافية إلى اصل وجودهما بيد حزب الله، خاصة ان هناك العديد من المعتقلين اللبنانيين المفقودين الذين لا يوجد عنهم أي معلومات.
أما بخصوص دعوتها إلى تبادل معقول فهذا يعكس فشل الرهانات الإسرائيلية على ضغوط دولية أو غيرها، وإقرارها بأنه ليس أمام "إسرائيل" سوى هذا الخيار لاستعادة جنودها. أما وصفها التبادل بالمعقول فهو تعبير مطاط تحدد محتواه التطورات السياسية والتفاوضية.
ويمكن وضع حديث ايتسيك عن الهزة الكبيرة واستمرارها انه يعكس الانطباع والتقييم السائد والمهيمن في الكيان على مستوى الجمهور وعلى مستوى القيادات لنتائج الحرب. لكن الجانب الأبرز هو اعتبارها انه ما زال بالإمكان الشعور بهذه الهزة، في إشارة إلى الارتدادات والتداعيات المتواصلة للهزيمة التي مُني بها الجيش الإسرائيلي.
وبرغم كل ما تقدم، يبقى العنصر الأهم والأكثر دلالة وبلاغة في التعبير هو غياب رئيس الوزراء ايهود أولمرت عن مراسم الإحياء! أما المفاجأة فكانت في حضور وزير الحرب السابق عمير بيرتس المراسم برغم عدم دعوته الى حضورها.
جهاد حيدر
الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007

2007-07-06