ارشيف من : 2005-2008

تنافس بين أبو العينين والمقدح على قيادة القوة الأمنية الى نهر البارد : الحسم العسكري قريب والمبادرات جامدة والاجماع الفلسطيني مفقود

تنافس بين أبو العينين والمقدح على قيادة القوة الأمنية الى نهر البارد : الحسم العسكري قريب والمبادرات جامدة والاجماع الفلسطيني مفقود

تراجع السباق بين التسخين والتبريد في مخيم نهر البارد لمصلحة الحسم العسكري بعدما تجمدت المبادرات السياسية على درجة التنافس الحاد بين قيادات حركة فتح ـ السلطة، على إمرة القوة الأمنية التي جرى التفاهم على تشكيلها كمدخل للحل السياسي تحت مظلة الإجماع الفلسطيني المفقود.
وسبب هذا التنافس المكشوف ارتفاع وتيرة المزايدات الإعلامية بين سلطان أبو العينين "أمين سر حركة فتح" والعقيد منير المقدح حول تشكيل القوة وإدارتها في ظل غياب الإجماع الفلسطيني العام حول قيادتها ودورها داخل المخيم.

الطرف الثالث
 الطرف الثالث هو تيار لبناني معروف الهوية والانتماء تجنبت وسائل الإعلام اللبنانية والأجنبية الاشارة اليه بالاسم خشية أن ينفّذ هذا الطرف تهديداته بحق السياسيين والاعلاميين.
 بدأ الطرف الثالث نشاطه الأمني بإطلاق النار على الجيش اللبناني وعلى مواقع فتح الإسلام في الأيام الاولى لاندلاع الاشتباكات، وتحدثت بيانات الجيش وحركة فتح الإسلام عن طرف ثالث يقوم بأعمال القنص من أماكن معروفة، ما أدى الى سقوط العديد من اتفاقات وقف إطلاق النار، وتغليب الحسم العسكري على غيره من الخيارات السلمية.
 عاد الطرف الثالث وظهر مجدداً في تظاهرة البداوي، وقد أكدت قيادة الجيش هذه المعلومات شفهياً للعديد من القوى والشخصيات اللبنانية، وتجنبت إصدار بيان واضح بهذا الشأن حرصاً منها على السلم الأهلي.
الصمت عن هوية الطرف الثالث الذي يدير حرب الشمال كسره سكان مخيم البداوي الذين وقفوا أمام وسائل الإعلام اللبنانية والعربية وتحدثوا صراحة عن تيار سلّ سكاكينه لتخريب مستقبل العلاقات اللبنانية الفلسطينية بما يخدم القرار الدولي 1559، وطعن عدداً من المتظاهرين المطالبين بحق العودة الى مخيم نهر البارد عن سابق إصرار وتصميم، وأطلق عيارات نارية أدت الى سقوط قتلى وجرحى.
 هذا الطرف الثالث فقد أعصابه عندما بثت التلفزيونات اللبنانية مقابلات مع سكان البداوي تحدثوا فيها علانية عن هذا التيار الذي يسعى لتسعير الفتنة، فقام أنصاره بمهاجمة عدد من المراسلين العاملين في وسائل الإعلام اللبنانية، ما أثار موجة استنكار واسعة ضد هذه التصرفات التي يضيق صدرها بالحريات العامة.. وقد تداعت الفعاليات في طرابلس والشمال لإدانة الاعتداءات التي أصابت مراسلين لبنانيين وعربا وأجانب ومكاتب إعلامية.
 وفي محاولة لتأليب الرأي العام في الشمال ضد وسائل الإعلام، وزع الطرف الثالث بياناً مشبوها يحمل توقيع علماء الشمال وطرابلس وينال من وسائل إعلام مشهود لها بالصدق والموضوعية، ولكن سرعان ما انكشفت ألاعيب هذا الطرف عندما تدخل الجيش اللبناني واضعاً حداً لهذا التيار العبثي. وقد أكدت قيادة الجيش أنها معنية بالمحافظة على الإعلاميين ووسائل الإعلام.

وطرح عدد من أعضاء لجنة المتابعة المؤلفة من (6) فصائل، (3) منها تابعة لمنظمة التحرير و (3) تمثل تحالف الفصائل الفلسطينية، أسئلة أساسية حول وظيفة القوة الأمنية وتعاملها مع عناصر فتح الإسلام. ويبدو أن أعضاء لجنة المتابعة أنفسهم لا يملكون جواباً واحداً عن هذه الأسئلة، ولم يتفقوا بعد لا على قائد هذه القوة ولا على مرجعيتها السياسية والأمنية.
وكانت التصريحات المتبادلة لأبو العينين والمقدح حول الانتقال القريب للقوة الأمنية من مخيم عين الحلوة الى نهر البارد للانتشار داخل المخيم، قد أربكت لجنة المتابعة التي نشطت الاتصالات بين أعضائها للاستيضاح، كما أجرت رابطة علماء فلسطين اتصالات مع المعنيين في اللجنة للاستعلام عن حقيقة القوة الأمنية.
شخصيات فلسطينية واكبت الاتصالات الجارية منذ عشرين أيار الماضي، تاريخ اندلاع أحداث نهر البارد، أكدت أن جميع القوى الفلسطينية وافقت على تشكيل قوة أمنية مشتركة من جميع التنظيمات والفصائل لاستلام الأمن في مخيم نهر البارد، ولم تقف قيادة الجيش اللبناني ضد هذا البند الذي ورد في مبادرة رابطة علماء فلسطين وظل موجوداً في جميع المبادرات اللاحقة، لكن الجيش اللبناني كان يتمسك بشروطه، وهي استسلام عناصر فتح الإسلام للسلطة اللبنانية، وتحديداً من تورط منهم في اعتداءات على الجيش. وتضيف هذه الشخصيات أن دخول الرئيس فؤاد السنيورة على خط الأزمة ورفضه اعطاء الوقت الكافي للجهد السياسي عقّد الحلول ودفع بالجيش والمخيم الى الحسم العسكري.
بعد الإعلان المتلفز لوزير الدفاع في حكومة السنيورة الذي لم يضع حداً لنهاية العمليات العسكرية للجيش اللبناني في المخيم، عادت مبادرة رابطة علماء فلسطين الى واجهة المداولات السياسية، والتي نصت على التالي:
1 ـ وقف اطلاق النار.
2 ـ تشكيل قوة أمنية مشتركة من 150 الى 300 عنصر مناصفة بين منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل التحالف.
3 ـ حل تنظيم حركة فتح الإسلام.
4 ـ تسليم أسلحة فتح الإسلام الى القوة الأمنية.
5 ـ تشكيل لجنة تحقيق اسلامية (شرعية) للتحقيق مع عناصر فتح الاسلام بهدف تحديد هوية الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم بحق الجيش اللبناني، وتسليمهم الى القضاء اللبناني لمحاكمتهم.
هبّة ساخنة لتوطين أهل البارد
يتداول سكان مخيم نهر البارد من الذين فروا الى البداوي وطرابلس ومناطق أخرى من لبنان، معلومات عن جهات حكومية لبنانية وشخصيات تابعة لتيار سياسي داعم للحكومة، اتصلت باللاجئين من البارد وعرضت عليهم تعويضات مالية مقابل ترك مخيم نهر البارد نهائياً والإقامة خارجه.
 وتعهدت هذه الجهات والشخصيات بدفع مبالغ مالية فوراً لكل من يرغب من العائلات النازحة الى مخيم البداوي في بناء مسكن فوق أسطح بيوت المخيم.. ويبدو أن عددا من العائلات وافق على بيع "الهواء للاجئين تحت ضغط الضائقة المالية".
كما تعهدت الجهات نفسها للفلسطينيين بتسهيل بناء المساكن في أراضٍ يملكها سكان المخيم في أي مكان في طرابلس والشمال، بشرط إثبات الملكية. وأكدت المعلومات أن حكومة السنيورة اتخذت التدابير القانونية ووفرت الاعتمادات المالية بالتعاون مع دول أجنبية لمنع عودة الفلسطينيين الى مخيم البارد.
القوى الفلسطينية حذرت من وجود مخطط تنفذه حكومة السنيورة لاقتلاع مخيم نهر البارد وتوطين بعض سكانه في لبنان ومساعدة آخرين على مغادرة الأراضي اللبنانية الى أوستراليا وكندا وبعض الدول الأوروبية.
وافقت حركة فتح الإسلام ممثلة بالمسؤول الميداني فيها شاهين شاهين على هذه البنود، وغيروا البند الذي ينص على تسليم عناصر الحركة أنفسهم الى القضاء اللبناني باقتراح آخر ينص على تشكيل لجنة تحقيق إسلامية شرعية، وقامت رابطة العلماء بنقل المبادرة معدلة باقتراح فتح الإسلام الى قيادة الجيش التي أخذت علماً بها، وأبلغت لجنة المتابعة وممثل منظمة التحرير عباس زكي بواسطة أحد الضباط الذي وضع الفلسطينيين أمام خيارين لا ثالث لهما:
الأول: الموافقة على انتشار قوة أمنية فلسطينية داخل مخيم نهر البارد، وإنهاء ظاهرة فتح الاسلام ولو عن طريق الحسم العسكري.. "إما ان تحسموا أنتم أو تنحوا لنحسم نحن".
الثاني: إخلاء المخيم القديم من الفلسطينيين إفساحاً في المجال أمام الجيش اللبناني للقضاء نهائياً على عناصر فتح الإسلام.
وضع الجيش اللبناني لجنة المتابعة الفلسطينية أمام خيارين كلاهما مرّ، فالموافقة على البند الأول سيؤدي حتماً الى اندلاع حرب فلسطينية فلسطينية ليس في مخيم نهر البارد فقط، انما في جميع المخيمات اللبنانية. أما الخيار الثاني فإنه سيؤدي الى تمديد اشتباكات البارد ستة أشهر إضافية على الأقل، لأن المطلعين على قوة فتح الإسلام يؤكدون أن نحو 150 عنصراً منها يستطيعون الصمود فترة طويلة من دون الحصول على إمدادات خارجية. وقد اتخذت الحركة جميع الإجراءات التي تساعدها على ذلك، فضلاً عن وجود خطط جاهزة لاستقدام عناصر من الخارج.
المخيم القديم خالٍ من المدنيين
أكد فلسطينيون غادروا مخيم نهر البارد بعد إعلان وزير الدفاع اللبناني في حكومة السنيورة وقف الأعمال العسكرية للجيش اللبناني، أن لا وجود لمدنيين داخل المخيم القديم، وأن الحديث عن آلاف الفلسطنيين ومئات العائلات مبالغ فيه.
ونقلاً عن شهود عيان، فإن عناصر حركة فتح الإسلام يتحصنون في الملاجئ التي بنتها منظمة التحرير عام 1980 في المخيم، ويتنقلون بين الأحياء، ولا سيما بين المخيم الجديد والمخيم القديم أمام أعين عشرات العناصر التابعين لفتح السلطة، الذين لا يعترضون تنقلاتهم. ويؤكد هؤلاء الشهود أن فتح الإسلام استولت على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، ما يمكنها للصمود ستة أشهر على الأقل.
ويبدو أن حركة فتح ـ السلطة التي تسعى الى وراثة فتح الإسلام والانتقام من فتح الانتفاضة، تميل الى تشكيل القوة الأمنية بمفردها من دون مشاركة القوى الفلسطينية الأخرى، واستقبلت حكومة السنيورة إشارات بهذا المعنى، وردّت بالترحيب والموافقة. إلاّ أن موقف قيادة الجيش كان أكثر عقلانية عندما تمسك بالإجماع الفلسطيني على تشكيل وإدارة وانتشار القوة الأمنية، ومن دون هذا الإجماع لن يوافق ولن يسمح لأي قوة أمنية بالانتشار داخل مخيم نهر البارد.
وتؤيد حركتا حماس والجهاد الاسلامي وفصائل التحالف ما ذهب اليه الجيش اللبناني لجهة الإجماع الفلسطيني على القوة الأمنية، وتعتبر هذه القوى أن أي قوة أمنية يجب أن تكون جزءاً من الحل السياسي المتكامل للأزمة، ما يحقق مجموعة أهداف أهمها:
* المحافظة على هيبة وكرامة الجيش اللبناني.
* حفظ السيادة اللبنانية.
* تثبيت مخيم نهر البارد في مكانه وعودة النازحين اليه باعتباره عنوانا سياسيا لحق العودة، ورفض كل المحاولات لنقل المخيم الى مكان آخر.
* حل حركة فتح الإسلام بشكل كامل وإنهاء هذه الظاهرة التي يشكل أصحاب الجنسيات العربية من غير الفلسطينيين غالبية عناصرها، ومعظمهم دخلوا الى لبنان عن طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت.
* منع استخدام مخيم نهر البارد أو غيره من المخيمات الفلسطينية لتهديد السلم الأهلي اللبناني.
وحتى كتابة هذه السطور كانت حركة فتح الإسلام تستعد لجولة أخرى من المعارك، في وقت تحاول القوى الفلسطينية الحصول على وقت إضافي لإنضاج القوة الأمنية وتعويم الحل السياسي على حساب الحسم الميداني. وإذا سقطت المبادرات أو جُمدت سيكون المجال مفتوحاً أمام معركة لن تتوقف قبل الربيع القادم، وستكون مفتوحة أمام سيناريو خطة لتدخل خارج تداول أهل السياسة فصوله دون تأكيد.

قاسم متيرك
الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007

2007-07-06