ارشيف من : 2005-2008

شهران من تقطيع الوقت بانتظار "الوضع الأميركي" في العراق

شهران من تقطيع الوقت بانتظار "الوضع الأميركي" في العراق

بات واضحاً  من خلال سير التطورات الحاصلة سياسياً  وأمنياً أن البلاد مقبلة على حالة من المراوحة السياسية تمتد على مدى شهري تموز وآب وصولاً إلى موعد دخول المهلة الدستورية لاستحقاق الانتخابات الرئاسية في الرابع والعشرين من أيلول، التي تمتد حتى الرابع والعشرين من شهر تشرين الثاني موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية العماد اميل لحود. وبحسب الأوساط السياسية المتابعة فإنه خلال تلك المهلة الدستورية إما تتجه الأمور نحو التوافق على الرئيس الجديد بعد انفراجات اقليمية أو تنحو باتجاه لجوء فريق الرابع عشر من شباط إلى انتخاب رئيس للجمهورية من صفوفه بأغلبية النصف زائد واحد بغطاء اميركي ودولي، وبالتالي دفع البلاد إلى المجهول، والذي سيكون الرد عليه من قبل المعارضة بتشكيل حكومة ثانية، وهي الخيار الذي ما زال قائماً بحسب أوساطها، وإنما الأغلب خيار تأجيل التوقيت إلى حين دخول المهلة الدستورية للاستحقاق الرئاسي ومعرفة الخطوة التي سيلجأ اليها فريق السلطة على خيار تقريبه إلى تموز، وذلك لإعطاء مزيد من الفرص أمام الوساطات التي ربما تنجح في إيجاد توافق على الرئيس الجديد، وبالتالي على حكومة وحدة وطنية. فإذا جرى التوافق دخلت البلاد في مسار الحل، وإلا فإن المعارضة تكون عندها قد أعطت جميع الفرص الممكنة لتجنب اللجوء إلى خيار الحكومة الثانية التي ستأتي حينها كآخر الدواء لمنع فريق السلطة من دفع البلاد نحو الهاوية على جميع الصعد: السياسية والأمنية والاقتصادية، ولمنع رهن البلاد للوصاية الأميركية والمشروع الصهيوني في المنطقة.
وتلفت الأوساط هنا إلى أن المعارضة استطاعت أن تحقق جزءا من هدفها من الحكومة الثانية بمجرد التلويح بهذا الخيار، وهو ما تجلى في الحملة الأميركية والغربية ومن بعض الأنظمة العربية المرتبطة بواشنطن ضد هذا الخيار المتعلق بإمكانية لجوء المعارضة إلى تشكيل حكومة ثانية إذا انعدمت إمكانية الحلول.
على خط آخر فإن الأوساط المتابعة تستبعد الخيار الذي روج له خلال الأيام الماضية من قبل بعض الأوساط، من أن رئيس الجمهورية العماد إميل لحود قد يلجأ إلى تشكيل حكومة انتقالية والطلب منها حل مجلس النواب، لأن حكومة كهذه غير مخولة دستورياً القيام بخطوة من هذا النوع، فضلاً عن أن الرئيس لحود ليس في هذا الوارد من الخيارات الدستورية التي سيلجأ اليها قبل انتهاء ولايته، وهو ما جرى توضيحه في بيان صدر عن الدائرة الإعلامية للقصر الجمهوري رداً على ما أشيع في هذا المجال.
وزير سابق مقرّب من المعارضة يشير إلى أن مرحلة الشهرين المقبلين ستكون مرحلة تقطيع وقت في لبنان بانتظار جلاء الوضع على المستوى الإقليمي والدولي. ويشير تحديدا إلى الوضع الأميركي في العراق والمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية حول الملف العراقي. ويلفت إلى مؤشرات لاتجاه الوضع نحو الصفقة الإقليمية أو انفجار الوضع أكثر، لكون أي خيار سيكون له انعكاس على الساحة اللبنانية سواء إيجاباً أو سلباً. ويدعو هذا  الوزير السابق إلى ترقب نتائج الحملة العسكرية الأميركية الحالية في العراق التي تظهر نتائج فشلها أو نجاحها أميركياً أوائل الخريف المقبل.. كذلك يدعو الى رصد مستوى الضغط الداخلي الذي ستتعرض له ادارة المحافظين الجدد في واشنطن بقيادة جورج بوش مع استمرار النزف البشري الذي تتعرض له قوات الاحتلال الأميركي في العراق. ويشير إلى أنه اذا فشلت هذه الخطة الأمنية وتزايدت الضغوط الديمقراطية على بوش واستمر سقوط القتلى الأميركيين في العراق، فإن ذلك قد يدفع ادارة بوش إلى صياغة صفقة اقليمية بالتفاهم مع ايران، ما سينعكس إيجاباً على الساحة اللبنانية من خلال تفاهم على الاستحقاق الرئاسي. ويشير الوزير السابق الى أن هذا التفاهم الأميركي ـ الإيراني اذا حصل لا بد من أن يعقبه تفاهم اقليمي موازٍ طرفاه سوريا والسعودية، يترجم حلحلة للأزمة السياسية في لبنان.
وبانتظار تطور الأمور على الساحة العراقية ومستقبل الكباش الأميركي الإيراني حتى مطلع الخريف، فإن الفترة الفاصلة عن تلك المرحلة ستبقى في سياق تقطيع الوقت والمبادرات بشأن الوضع في لبنان التي ستحصل خلالها، لن تتمكن من تحقيق اختراقات، ومنها المبادرة الفرنسية الى مؤتمر حوار في باريس في الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر من الشهر الجاري بحضور قيادات الصف الثاني من فريقي المعارضة والسلطة وبعض ممثلي هيئات المجتمع المدني.
"مؤتمر باريس"
المصادر المتابعة تلفت الى أن الإدارة الأميركية نجحت الى حد بعيد في وضع العصي في دواليب الدبلوماسية الفرنسية الجديدة التي حاولت الانطلاق بعقلية منفتحة تجاه قضايا الشرق الأوسط ولبنان تحديداً مع وزير الخارجية برنار كوشنير، وتمكنت من إعادتها ولو نسبياً الى الحالة التي كان متفقاً عليها بين واشنطن وقصر الإليزيه في عهد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، وهذا كان من نتائج زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الى باريس الأسبوع الماضي.
لكن المصادر تتحدث عن ايجابيات لمؤتمر الحوار الباريسي برغم عدم قدرته على تحقيق اختراق، ومنها:
أولاً: استمرار سياسة الانفتاح الفرنسية على أطراف المعارضة اللبنانية بعدما كانت محصورة سابقاً بدعم فريق السلطة، وتحديداً الانفتاح "العلني" تجاه حزب الله الذي وُجهت اليه دعوة رسمية للمشاركة في المؤتمر، وهو ما يؤكد أن باريس لا تزال تنظر الى الحزب كونه قوة سياسية أساسية في النسيج اللبناني ولا بد من التحاور معه وسماع وجهة نظره للحل، خلافاً للموقف الأميركي الذي يزعم أن حزب الله منظمة ارهابية لا بد من عزلها وعدم التواصل معها، وتحديداً من قبل الأوروبيين.
ثانياً: مقاربة السياسة الفرنسية الجديدة للوضع في لبنان من خلال أخذ العامل الاقليمي "العربي والاسلامي" بعين الاعتبار، وهو ما تجلى بالجولة التي قام بها الموفد الفرنسي جان كلود كوسران قبل أسابيع الى القاهرة وطهران ولقائه وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل في المغرب. ويضاف الى ذلك ضرورة التواصل مع سوريا برغم إرجاء الزيارة التي كانت مقررة لكوسران الى دمشق، والتي أُرجئت الى أجل غير مسمى بعد اغتيال النائب وليد عيدو والحملة التي قام بها فريق السلطة ضدها واتهامها من دون أدلة بأنها تقف وراء عملية الاغتيال. وتشير المصادر الى أن مسألة الانفتاح الفرنسي على سوريا أو عدمه ستشير الى مدى ابتعاد السياسة الفرنسية عن السياسة الاميركية في المنطقة أو العكس.
كذلك تلفت المصادر من جهة ثانية الى أنه من التحركات السياسية الاقليمية التي ستشهدها المنطقة خلال المرحلة المقبلة، والتي تأتي في الوقت الضائع عن حسم الخيارات في المنطقة، هي جولة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الى كل من سوريا وإيران لبحث ملف الأزمة السياسية في لبنان، والتي تأتي بعد فشل المبادرة العربية الثانية لحل الأزمة التي كانت العرقلة واضحة لها من قبل فريق السلطة بإملاءات أميركية واضحة، لأن هدف  الأميركي ما زال يتلخص بتحقيق مخطط الفوضى الهدّامة على مستوى خريطة المنطقة، ومن ضمنها لبنان.
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007

2007-07-06