ارشيف من : 2005-2008

الحقيقة الكبرى

الحقيقة الكبرى

إنسان الجاهلية ـ ما قبل الإسلام ـ لم يكن سوى منتج مخلص لبيئته الصحراوية العائمة على بقعة من التناقضات والأوهام والأباطيل والوثنية البعيدة كل البعد عن الحق تبارك وتعالى. ومن بين تلك الأوثان والمبادئ والتشريعات المنحرفة نبت إنسان الجاهلية وترعرع في أحضان بيئتها الفاسدة، تقلبه أيدي ضبابها الكثيف، فاندفع إلى الظلم والعدوان شاهراً سيف قسوته وجبروته في وجه كل من تسوّل له نفسه الوقوف في وجه مصالحه، أو حتى من يجرؤ على الاختلاف معه في رأي أو معتقد.. كل ذلك دونما أي رادعٍ من دين أو وازعٍ من ضمير أو أخلاق.
وعندما جاء محمد بن عبد الله (ص) لم يكن عليه سوى أن يلقي نظرة واحدة إلى ما حوله من معتقدات زائفة، حتى يرتد نظره اليه مترعاً بالدهشة والاستغراب، فلم يملك إزاء تلك الدهشة وتلك الحيرة التي ملأت عليه كيانه سوى أن يفر إلى شعاب مكة وبطون أوديتها مبتعداً عن لغو الناس وضوضائهم، ناشداً الوحدة والخلوة مع نفسه.. وبلغ من قوة عزيمته وإصراره على طلب الحقيقة الوجودية الكبرى أنه كان يذهب إلى غار حراء في شهر رمضان من كل عام، فيقيم فيه الشهر بكامله مكتفياً بالقليل من العيش تحمله اليه زوجته خديجة الكبرى.. ومن هناك راح محمد (ص) يتأمل السماء والنجوم والكواكب واختلاف الليل والنهار وتعاقب الفصول، ويقرأ في كتاب الطبيعة وما فيها من أشجار ونبات وأثمار وأزهار وأنهار وبحار وعجائب المخلوقات.
اتجه ابن عبد الله إلى خالق الكون بعقله ووجدانه وتقلب طويلاً على جمر الشوق حتى صفت مرآة نفسه وشفت، فانعكست أشعة الغيب عليها، فاخترقت الحجب ووصلت برحمة الله إلى الحقيقة الكبرى.
حسن نعيم
الانتقاد/ العدد1222 ـ نقطة حبر ـ 6 تموز/يوليو2007

2007-07-06