ارشيف من : 2005-2008

الطهارة

الطهارة

يقول الشهيد الثاني (قده):
فأما الطهارة، فليستحضر في قلبه أن تكليفه فيه بغسل الأطراف الظاهرة وتنظيفها لإطلاع الناس عليها ولكون تلك الأعضاء مباشرة للأمور الدنيوية منهمكة في الكدورات الدنيّة، فلأن يطهّر مع ذلك قلبه الذي هو موضع نظر الحق تعالى، فإنه لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم.. ولأنه الرئيس الأعظم لهذه الجوارح والمستخدم لها في تلك الأمور المبعّدة عن جنابه تعالى وتقدس أولى وأحرى، بل هذا تنبيه واضح الى ذلك وبيان شاف على ما هنالك، وليعلم من تطهير تلك الأعضاء عند الاشتغال بعبادة الله تعالى والإقبال عليه والالتفات عن الدنيا بالقلب والحواس لتلقي السعادة في الأخرى، أن الدنيا والآخرة ضرّتان، كلما قربت من إحداهما بعدت عن الأخرى، فلذلك أمر بالتطهير من الدنيا عند الاشتغال والإقبال على الآخرة.
فأمر في الوضوء بغسل الوجه لأن التوجه والإقبال بوجه القلب على الله تعالى به وفيه أكثر الحواس الظاهرة التي هي أعظم الأسباب الباعثة على مطالب الدنيا، فأمر بغسله ليتوجه به وهو خال من تلك الأدناس ويترقى بذلك إلى تطهيرها ما هو الركن الأعظم في القياس، ثم أمر بغسل اليدين لمباشرتهما أكثر أحوال الدنيا الدنيّة والمشتهيات الطبيعية، ثم بمسح الرأس لأن فيه القوة المفكرة التي يحصل بواسطتها القصد إلى تناول المرادات الطبيعية، وتنبعث الحواس إلى الإقبال على الأمور الدنيوية المانع من الإقبال عن الآخرة السنية، ثم يمسح الرجلين لأن بهما يتوصّل إلى مطالبه ويتوصّل إلى تحصيل مآربه على نحو ما ذكر في باقي الأعضاء، فيسوغ له الدخول في العبادة والإقبال عليها فائزاً بالسعادة، وأمر في الغسل بغسل جميع البشرة لأن أدنى حالات الإنسان وأشدها تعلقاً بالملكات الشهوية حالة الجماع، وموجبات الغسل ولجميع بدنه مدخل في تلك الحالة، ولهذا قال صلى الله عليه وآله: "ان تحت كل شعرة جنابة".. فحيث كان جميع بدنه بعيداً عن المرتبة العليّة منغمساً في اللذات  الدنيّة كان غسله أجمع من أهم المطالب الشرعية ليتأهل لمقابلة الجهة الشريفة والدخول في العبادة المنيفة ويبعد عن القوى الحيوانية واللذات الدنيوية.
(*) الانتقاد/ العدد1222 ـ نور الولاية  ـ 6 تموز/يوليو2007

2007-07-06