ارشيف من : 2005-2008
الشيخ شفيق جرادي لـ"العهد الثقافي":الاتجاهات الصوفية ليست بعيدة عن الواقع الاجتماعي
يحتل التصوف قطاعاً أساسياً في التراث العربي الإسلامي، ومن خلال دراسته يتبين بوضوح مدى اتصال العرب بمختلف الأديان والشعوب والفلسفات، وانفتاحهم على الاتجاهات المختلفة والمتناقضة. والتصوف له ماضٍ عريق يمتد بطرائقه ومذاهبه إلى الحاضر، فالمعركة حوله لا تزال قائمة بين مادح وذام، فلا مناص من أخذه والتدقيق في أحواله بمنطق الحق والعقل، وهذا ما يتطلب الكثير من الجهد والبحث العلمي.. من هنا كان لنا هذه الإطلالة من خلال هذا الحوار مع الباحث الشيخ شفيق جرادي:
- لم تتفق الكلمة على هوية التصوف، فهل من تعريف موضوعي جامع بين كل من أدلى بدلوه في هذا المضمار؟
التصوف عبارة عن حالة عاشتها الأمم بأغلب معتقداتها ودياناتها، ولا تقتصر هذه الظاهرة على العالم الإسلامي وحده. ولم يتفق المحققون حول تعريف واضح للتصوف، فمنهم من أعاد التصوّف الى أنه اسم أطلق على أهل "الصفّة" الذين كانوا يمكثون قرب مسجد المدينة، والذين كان يعتني بهم الرسول (ص)، وبعضهم أعاد الكلمة الى الصوفية إذا التحق بهم شخص من الأشخاص فإنهم بعد فترة يلبسونه الصوف علامة على انتمائه اليهم.. والبعض الآخر يدل على مدلول روحي ومعنوي أي الصفاء الروحي والمعنوي، هذا الاختلاف بالتعريف لا ينبغي أن يكون سبباً للاختلاف، وإن كنا قد أردنا التدقيق بالأساليب أن نعرف ما التصوف، فبإمكاننا العودة إلى مصدرين الأول: كتب الاصطلاحات التي عالجت الصوفية، اذ نجد هناك ان التصوف هو تنقية للذات عبر ترويض النفس وجعلها قابلة للفيوضات والبركات الإلهية، وهي علاقة تحصل بين الشيخ والمريد، والمريد يتعرف إلى الله من خلال شيخه.
أما الثاني فهو بعض الأقوال التي تصدر عن جماعة الصوفية تاريخياً، والتي تفهم منها مجموعة من الأمور:
أولاً: الصوفية هي لغة الوجد والعشق لله، وبالتالي النظر إلى الموجودات أنها صادرة عن الله.
ثانياً: ان الصوفية عبارة عن علاقة جماعة بعضها ببعض لها آدابها الخاصة وقانونها الخاص، ونظرتها إلى الآخرين تكون سلبية لأنهم يعتبرون أن مظهر الحقيقة والتجلي الإلهي الكامل بالشيخ الذي يتبعونه، ومن لا يتبعه يعتبر محروما من نعمة الله.
مرت الصوفية تاريخياً بعدد من التقلبات تشكلت فيها على طريقة الحركات الحزبية، اذ كانوا يخضعون المنتمين إلى الحركة الصوفية لأعمال فيها تعذيب للنفس وخدمة التكايا، بحيث ان بعض السلطات السياسية لجأت إلى هذه الجماعات لتستفيد منها في اقناع العامة بإعلان الوفاء لهذه السلطة السياسية، وبما أن الأنظمة السياسية كانت متقلبة فإن بعضها كان يلغي تلك الحركات، وهذا ما فعلته الدولة العثمانية ومن جاء بعدها. أما العلماء المسلمون وفقهاؤهم فقد رأوا بهذه الأعمال التي يمارسون فيها تعذيب البدن مضرة بالحياة، والله لا يرضى بذلك.. ثم إنهم رفضوا ان تتحول عبادة الله إلى أحزاب وزمر، وفوق هذا وذاك فإن علماءنا اتهموا التصوف في معتقداتهم الدينية بحيث يشكل انحرافاً وغلواً وشطحاً عن الحقيقة، بل رأى بعضهم في مسلكهم توهيناً بالالتزامات الدينية والشرعية، وذلك بأن يحلل الصوفي ما حرّم الله أو يحرم ما أحله الله، وهذا ما سبب الموقف السلبي الحاد من أهل الصوفية، خاصة عند الاتجاهات السلفية.. أما من وافقهم فقد رأوا فيهم جاذبية روحية في فهم الإسلام وأسراره، من هنا كانت الحماسة عندهم للصوفية. وإذا أردنا أن نرجع إلى مدرسة الإمام الخميني (قده) فإنه اعتبر أن كل تصرف يصدر عن أي جماعة فيه مخالفة للقرآن والشريعة هو تصرف باطل، ورأى أن أصحاب الاتجاهات المغالية في الدين إذا خشينا منهم أن يشوهوا النظرة إلى الدين فينبغي ردعهم عن ذلك. واعتبر أن بعض أهل التصوف يقومون بأعمالهم من أجل أن يجذبوا الناس اليهم ليس إلا، وهذا فيه ضرر كبير للدين ومخالفة للآداب الاسلامية.
من هنا تحدث عن العرفان كالتصوف، أي عن معرفة الله والارتباط به وتهيئة النفس من أجل دين الله وإعلاء كلمته والدفاع عن المظلومين بإقامة حكم العدل والحق على الأرض، وأطلق العبارة المشهورة: ان الفارق بين العرفان والحرمان يتعلق بحسب النية والدافع نحو العمل.
ـ إلى أي حد يشكل التصوف نتاجاً مجتمعياً بالظواهر الاجتماعية المتعاضدة وليس صادراً عن البعد الروحي فقط؟
أعتقد أن اللجوء إلى الحركات الصوفية واللجوء إلى الأفكار الغيبية المغالية هي مسألة تتعلق بالأزمات الاجتماعية غالباً، وهي لا ترتبط أساساً بالمعرفة الإسلامية الصافية. من هنا فإن بعض الأفكار التي تنسب إلى الصوفيين تكون على غير جادة الإسلام، فهي إما بسبب التأثر بالبيئة الثقافية أو بسبب ردود فعل على الواقع الاجتماعي. ومن أمثلة النموذج الأول ان العالم لما انفتح على الأمم والأديان الأخرى، بعض المسلمين تأثروا بأفكار هندية من مثل وحدة الوجود والفناء بوحدة الوجود التي عبّروا عنها بطريقة تختلف عن فهم المعرفة الإسلامية عن الوجود، والتي تحدثت عن فقر الموجودات بحاجتها إلى الله، وبعضهم وصل إلى أن يروا في بعض مشايخهم "الأقطاب" ما يشابه بوذا وأمثاله. أما الثاني فإن العزلة والانزواء الصوفي وتغليب ظاهرة الزهد السلبي في الحياة الصوفية هو من أكثر الأمور وضوحاً ودلالة على رد الفعل تجاه المجتمع الطاغي من حولهم.. أختم لأقول ان الأصل في تأثر الحركات الصوفية ببيئتها انعكس على مظاهر ممارساتها وبعض من أفكارها، ولكن المعرفة أو العرفان الإسلامي أصوله ومرجعياته لا يمكن أن نجدها الا في القرآن الكريم وعند رسول الله (ص) والأئمة الأطهار والفطرة الصافية.
- هل هناك من علاقة قائمة بين لغة التصوف ومصطلحاته والتفسير القرآني، وبالتالي تشكل مذاهبهم نتيجة قراءتهم للقرآن؟
لا شك عندي في أن التصوف الذي انتهج نهج العرفان في علاقته مع الله والإسلام كدين، انما نبعت أفكاره ومعارفه من هذا الكتاب العزيز.. لكن لا يصح أن ننسب المصطلح الصوفي إلى المرحلة الإسلامية الأولى، لأن لغة الصوفية تطورت مع الزمن وتأثرت ببيئات مختلفة، وهو تأثر انعكس في أغلب مصطلحاتها ومفرداتها، بل في تقسيمها لموضوع التصوف ومسائله، وتجلى أكثر ما تجلى بكتابات محيي الدين بن عربي ومن تبعه من مدارس التصوف النظري التي انتشرت في العالم الإسلامي، وكانت مفتاح المعرفة بين الباحثين من جهة، وبين رجالات المعرفة الصوفية من جهة أخرى. ومن هنا ينبغي أن أصل إلى كلمة ضرورية، اذ علينا التفريق بين المعرفة العرفانية أو الصوفية الأصيلة التي هي معرفة تجربة روحية وذوق وشهود، وعلم العرفان ومصطلحاته، فهذا الأخير ليس عرفاناً وليس تصوفاً، بل أشبه ما يكون بالفلسفة المعنوية العرفانية الصافية.. وفارق حساس بين الأمرين، ومن دون التدقيق فيه لن نميز بين جاذبية العرفان والتصوف الصافي وبين صعوبة علم العرفان والتصوف.
ـ هل يمكن الإفادة اليوم من التراث الصوفي في معالجة أزمة الإنسان، وهل البناء الشخصي للأمة يتقبل تراثا كهذا؟
أعتقد أن التراث الصوفي الروحي والمعنوي هو أمر مفيد، ويصبح ضرورياً عندما يتحول إلى عرفان اسلامي واضح.. لكن هذه النزعة الصوفية والعرفانية هي سيف ذو حدين، لأنها ان وقعت بنفوسٍ ضعيفة ومريضة تحولت إلى طاقة مدمرة وكارثية لقيم الإنسان والمجتمع، أما لو وقعت في نفسٍ مزكاةٍ، نفسٍ تربت على الشريعة وعلى الخلق المحمدي والعلوي، فإنها ستتحول إلى علاج يفيد مجتمعاتنا بتغيير مسار حركتها ونهوضها، ويفيد الكثير من المجتمعات المادية اليوم التي باتت تبحث عن سبل للخلاص من هذه المادية المستفحلة فيها، والتي حوّلت بعض الدول بل بعض المؤسسات إلى وحشٍ كاسر لا هم لديه سوى افتراس كل القيم والخيارات الإنسانية. فالتربية العرفانية قادرة على أن تؤثر بشكلٍ عميق جداً في إحداث مثل هذا التغيير، إذا أحسنّا الاستفادة منه، ففي عصرنا هذا أنا لا أرى أنسب من نهج الإمام الخميني (قده) كطريق لسير وسلوك عرفاني ينهض بالأمة وينقذ العالم.
حوار: محمد فضل الله
الانتقاد/ العدد 1222 ـ 6 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018