ارشيف من : 2005-2008

"أيديولوجيا العدوان في الفكر الصهيوني" لعلي المؤمن : عقيدة الإبادة ومطلب مقاومتها

"أيديولوجيا العدوان في الفكر الصهيوني" لعلي المؤمن : عقيدة الإبادة ومطلب مقاومتها

الفكر الصهيوني" (عن دار التضامن ـ توزيع دار العلم ـ بيروت).‏

ففي هذا الكتاب يسرد المؤمن سيرة الفكر الصهيوني من خلال رصده الموضوعي للمسيرة الأيديولوجية لهذا الفكر العدواني المحض (ولادة ونشأة وتبلوراً)، كمنظومة قيم "وضعية" لبنية متكاملة من المفاهيم الغرائبية الشديدة التركيب والتعقيد، والتي تشكل "وعاءً" نفسياً لعقيدة خاصة (مزاجية) لنوعٍ من البشر هي مشربهم الوحيد يعبون منه حتى الثمالة ذلك "الشراب" السحري ـ الغني بكل الخصائص المركّزة لجميع تعاليمهم غير الأخلاقية، والذي يضمن لهم السّير "القويم" ضمن خطوط توجهاتهم الإجرامية وتنظيم تصرفاتهم الوحشية المقيتة والمُدانة في سلوكهم طرق الارتكابات المرعبة بحق الإنسانية.. إذ لا يمكن لأي عقل بشري فيه ذرة من الإنسانية إقرارها أو الترحيب بها أو مهادنتها أو التغاضي عن نتائجها القاتلة والمدمّرة.‏

بداية يشرح الباحث في المقدمة كيفية طرح منظّري العقيدة الصهيونية للمسألة اليهودية بصياغتها الصهيونية بمسوّغاتٍ تبريرية (افترائية) ما أنزل الله بها من سلطان، توّجت باحتلالهم فلسطين (من دون وجه حق بالطبع) لتجميعهم في "وطن قومي يهودي" ينهي تشتيتهم في أصقاع المعمورة منذ ما قبل الميلاد حتى بداية القرن العشرين، مستخدمين لتحقيق هذا الهدف "أقصى مظاهر العنف والإرهاب والعدوان ضد الآخرين، فضلاً عن الوسائل التقليدية كالتآمر والمال والجنس". وقد تمّ لهم ما أرادوا بمساعدة الامبراطورية البريطانية التي جمعتهم معها أهداف مشتركة تكفل لهما الحضور المتواصل في قلب المنطقة الإسلامية، وبذلك يكون ـ كما يقول الباحث ـ قد نجح المخطط الغربي في تطويع "المسألة اليهودية" لتحقيق أهدافه الاستعمارية. وقبل ذلك فقد عاش اليهود مراحل ثلاثاً تراوحت بين القوة حيناً والضعف حيناً آخر، وحيناً ثالثاً تنعموا بالطمأنينة والاستقرار والرخاء حينما عاشوا في ظل المجتمعات الإسلامية.. وبرغم ذلك لم تتخلّ قطاعات منهم عن التآمر ضد المسلمين منذ بزوغ دعوة رسول الله محمد (ص) حتى انهيار الدولة العثمانية.. تلا ذلك بداية مرحلة رابعة من التاريخ اليهودي تمثلت ببدء العصابات الصهيونية في تنفيذ مخطط إقامة وطن لليهود في فلسطين.‏

يستعرض الباحث هذه المراحل جميعاً ويسمّي المرحلة الأخيرة بـ"مرحلة استدعاء الطغيان" التي بدأت مع التحالف المصيري بين وزارة المستعمرات البريطانية واليهود الصهاينة وتأسيس المنظمة الصهيونية العالمية، إضافة إلى تحرّك اليهود الروس.‏

ويوضح الكاتب أن أحداث العنف التي استهدفت يهود أوروبا وروسيا القيصرية في القرن التاسع عشر الميلادي وبدايات القرن العشرين، ولا سيما المذابح الجماعية الروسية (البوغروم) عام 1903، قد ساهمت في دفع اليهود إلى إيقاظ تعاليم وتقاليد العنف والإرهاب اليهودية التاريخية، كاستدعاءٍ برغماتي ولونٍ فاقع من ألوان الدجل السياسي لفئة يهودية كانت في غالبيتها علمانية وملحدة، ولم يكن يربطها ـ كما يبين الباحث ـ بتعاليم التوراة أو اليهودية المتدينة رابطة تُذكر، فعمدت إلى انتقاء بعض التعاليم اليهودية التي تدعو إلى القتل والعنف واستباحة دماء (الأغيار) وأموالهم وأعراضهم واستخدام أي وسائل لا أخلاقية ولا إنسانية بهدف الوصول إلى الغايات المرسومة، على يد جمهرة من السياسيين والمثقفين والمحاربين اليهود العلمانيين الذين انقلبوا على الديانة اليهودية وتعاليم أنبيائها الذين يأمرون اليهود بالتعايش السلمي الإنساني مع الآخرين.‏

يقول الباحث إن الممارسات العدوانية لليهودية الصهيونية التي هي أفعال يبادر أصحابها إليها عنوةً ودون مسوّغ شرعي، "هي تعبير عن بنية فكرية ومنظومة عقيدية لا ترى إلا نفسها وأهدافها، ولا تعترف بأي ندّ أو نظير لها في الإنسانية، وبالتالي لا تعترف بأي حق للآخر في أي شيء، فهذه المنظومة القائمة على عقيدة عصبيّة القتل والإبادة، والتي دعمت ولادة منظومة شبيهة لها في الولايات المتحدة الأميركية، فنشأ عن ذلك تحالف ديني ـ سياسي ـ مالي بين هاتين الصهيونيتين النابعتين من عقل انتقائي تصوّري ناضح بالشر المطلق، يستند غالباً إلى رؤىً أيديولوجية دينية مشتركة تتمظهر في وحدة النظرة إلى شكل العالم ومضمونه وحاضره ومستقبله، انطلاقاً من تصورٍ جامع لوحدتهما المصيرية.‏

ويشير الكاتب هنا إلى أن ثمة فرقاً شاسعاً في نظر الشريعة الإسلامية بين اليهود كعصبية تاريخية (عدوانية بالمطلق) واليهودية كديانة سماوية، وبالتالي فإن دراسته هذه ـ بمقدمتها وفصولها الأربعة بإحالاتها المرجعية كمصادر دامغة ـ تتمحور حول "العصبية اليهودية التاريخية وتطبيقها المعقّد المعاصر المتمثل في العقيدة الصهيونية التي تمثل نتاجاً مشتركاً لليهود العلمانيين واليهود المتدينين القوميين". وفي هذا المجال يعرض الكاتب خصائص العقيدة الصهيونية مع درسه عددا من الموضوعات كجذور الفكر الصهيوني ومصادر عقيدة العدوان فيه، كالعهد القديم والتلمود والمقولات المعاصرة، إلى استعراضه موضوعات كاشفة لعلمانية الفكر الصهيوني ومفهوم أرض الميعاد وتطبيقه في فلسطين واستراتيجية تهويدها.. الى تصويره ملامح العدوانية في السلوك الصهيوني وعرضه نماذج من الاعتداءات الصهيونية على المقدسات كالمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي وغيرهما، إضافة الى حديثه المسهب عن الموقف الإسلامي مستعرضاً ردود أفعال المسلمين تجاه المشروع الصهيوني وتطبيقاته وسلوكياته، ومتوقفاً عند الموقف الإسلامي المطلوب، ولا سيما موقف فقهاء الأمة الإسلامية وعلماء دينها.‏

على أن هذا الموقف هو ما يهمّ الباحث هنا، لأنه هو الدافع لنشر دراسته هذه أكثر من أي شيءٍ آخر، كما يتضح من قراءتها.‏

لذا يوضح "المؤمن" أن في قراءة ردود الأفعال العربية والإسلامية حيال الغزو الصهيوني الشامل، نجد أن لفقهاء الأمة مساحات واسعة للتحرك بهدف تحكيم الغطاء الشرعي لوسائل المقاومة بكل ألوانها وتوفير شروط الفعل الإسلامي المنتصر، وهو برأيه التحرّك الأهم على كل الصعد.. ويقدّم اقتراحات عملية في هذا المجال عبر شرحه بدقة تفاصيل مضمونها الذي يتناسب تماماً مع النظرة العميقة لحقيقة الصراع الإسلامي ـ الصهيوني، إذ يجد أنه من الضروري جداً أن يؤسس فقهاء الأمة آلية متكاملة تستوعب جميع علماء الإسلام، بهدف تجميع الأدوار الفردية في دور جماعي موحّد، الأمر الذي يكرّس ـ على حدّ قوله ـ موقعهم في معادلة الصراع الإسلامي ـ الصهيوني، وصولاً الى الإمساك من جديد بإسلامية المعادلة وأبعادها الشرعية، وهذا هو الأمر الوحيد بل الأوحد الذي يُرعب العدو الصهيوني، وذلك باعتراف قادته أنفسهم.‏

أحمد ياسين‏

الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007‏

2007-07-06