ارشيف من : 2005-2008

على مذبح المودة والولاء لآل الرسول(ص)

على مذبح المودة والولاء لآل الرسول(ص)

بين الحياتين البدوية والحضرية، في ربوع المجد والعزة والشجاعة والكرم، ولدت ونشأت وتزوجت وأنجبت، وأحسنت تربية من أنجبت وأخلصت النية للبيت الذي صارت إليه فأضافت إلى المجد الأكمل مجدها المؤثل(المؤصل). واستكملت الفضائل بالصبر والتضحية بإيمان راسخ فكان لها الشرف الباذخ حتى انتهى بها المطاف إلى مثواها الأخير في البقيع حيث أم من أحبت وفدت مولاتها الزهراء(ع). ولم ينته المطاف بآثارها الجليلة الخالدة وذكراها العطرة وشعلتها القدسية الوقادة مدى الأجيال والعصور حتى النهاية فهي في طليعة اللواتي يصدق عليهن قول الشاعر:
مـــاتـت وما مـــاتت          مــــكارمهــا السنية
هي السيدة الجليلة فاطمة بنت حزام العامرية من قبيلة بني كلاب، زوجة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأم ابي الفضل العباس(ع) وتكنّى بأم البنين منذ الولادة تيمناً بجدّتها ليلى بنت عمرو بن عامر بن صعصعة. وهذه كانت عادة العرب يكنون المولود في الوقت الذي يسمونه فيه. أخوها لبيد بن ربيعة العامري وهو شاعر من  أصحاب المعلقات وكان مسلماً.
وقبيلة بني كلاب، عشيرة من العرب الأقحاح، شهيرة بالشجاعة والفروسية.
اختار الله تعالى  لأمّ البنين سلام الله عليها أنْ تنشأ في منبت طاهر، في بيت يعمر بالشجاعة والكرم. فشبّت بين أبوينِ شريفين عُرِفا بالأدب والعقل، وقد حباها الله  سبحانه  بجميل ألطافه، إذْ وهبها نفساً حرّةً عفيفةً طاهرة، وقلباً زكيّاً سليماً، ورزقها الفطنة والعقل الرشيد، فلمّا كبرتْ كانتْ مثالاً شريفاً بين النساء في الخُلق الفاضل الحميد، فجمعت إلى النسب الرفيع حسباً منيفاً. ما جعل عقيل بن أبي طالب (رض) يختارها قرينة لأخيه أمير المؤمنين عليّ (ع).
فقد روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأخيه عقيل (رضي الله عنه) وكان نسّابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم: اختر لي امرأة ولدتها الفحولة من العرب، من ذوي البيوتات والحسب والنسب لتلد لي غلاماً فارساً رشيداً ينصر ولدي الحسين بطف كربلاء، فقال له تزوج أم البنين الكلابية فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها فتزوجها.
وكان زواجه (ع) منها بعد وفاة الصديقة الزهراء(ع) لأن الله قد حرّم النساء على علي(ع) ما دامت فاطمة موجودة، فولدت له أربعة بنين، العباس وعبد الله وجعفر وعثمان. والعباس(ع) أكبرهم وهو أفضلهم وحامل لواء أخيه الحسين (عليه السلام)، وساقي عطاشى كربلاء. قتلوا جميعاً تحت راية الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء.
وعاشت بعده(ع) مدة طويلة ولم تتزوج من غيره كما أن زوجاته الأخريات لم يخرجن إلى أحد بعده لحديثٍ روينه عنه (ع): "ان أزواج النبي والوصي لا يتزوجن بعده".
رعايتها لسبطي رسول الله(ص)
وإخلاص أم البنين لامير المؤمنين(ع) وذريته لا يضاهيه إخلاص. إذ  قامت(رض) برعاية سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين (عليهما السلام)، تغذوهما بوافر العطف والحنان ما عوّضهما من الخسارة الأليمة التي مُنيا بها بفقد أمّهما سيدة نساء العالمين. فقد ذكر بعضُ أصحاب السير أن شفقتها على أولاد الزهراء عليها السّلام، وعنايتها بهم كانتْ أكثر من شفقتها وعنايتها بأولادها الأربعة: العبّاس وإخوته.  فهي كانت ترى ذلك واجباً دينياً لأن الله أمر بمودّتهما في كتابه الكريم، وهما وديعة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وريحانتاه.
قيل إن أم البنين(رض) أتت ذات يوم إلى أمير المؤمنين (ع) وقالت له: لي إليك حاجة.
قال لها: قولي ما عندك.
قالت:ارجو منك أن تناديني، عندما تناديني، بكنيتي لا باسمي (فاطمة). فإني أرى الانكسار بادياً على وجوه الحسن والحسين وزينب عندما يطرق سمعهم اسم أمهم، إنهم يذكرونها (ع) ويتألمون. فكان لها ما طلبت.
وقد بلغ من مودتها وولائها لآل الرسول(ص)؛ أنها أمرت أولادها  العباس وأخوته وعوّدتهم أن لا ينادوا الحسن أو الحسين (ع) بلفظة "أخي" بل "سيدي". لذا كنت ترى العباس يفعل ذلك (ع) في كربلاء في كل مرّة يخاطب أخاه الحسين(ع). ولم يخاطبه بكلمة "أخي" إلا في لحظات الفراق الأخيرة عندما وضع الإمام الحسين(ع) رأس العباس(ع) في حجره الشريف.
وأم البنين هي التي دفعت أولادها لنصرة إمامهم وأخيهم أبي عبدالله الحسين عليه السّلام، والتضحية دونه والاستشهاد بين يديه.
وقد ضربت أروع وأجمل صور التفاني والتضحية، حينما جاء (بشر بن حذلم) إلى المدينة ينعى سبط الرسول(ص). خرجتْ تسأل عن الحسين عليه السّلام مذهولةً عن أبنائها الأربعة، وكانت تحمل على كتفها طفلاً صغيراً لولدها أبي الفضل العباس كان قد تركه عندها. فلمّا سأل عنها بشْر قيل له: هذه أمّ البنين، فقال لها: عظّم الله لكِ الأجر بولدِك جعفر.. وعثمان.. وعبدالله، وهي تقول له في كلّ مرة: خبّرْني عن الحسين، أحيٌّ هو أم لا؟ فتعجّب بشرٌ منها فقال لها: عظّمَ اللهُ لكِ الأجرَ بأبي الفضل العباس، فسقط مِن يدها طفلٌ لعلّه هو عبيدالله بن العباس وكان رضيعاً تحملُه معها، فقالتْ له: قطّعتَ نياطَ قلبي، هل سمعتني سألتُك عن أحد، خبّرني عن الحسين، فاضطُرّ بشرٌ هنا لأنْ يقول لها: عظّم اللهُ لكِ الأجر بأبي عبدالله الحُسين. فسقطت مغشيّاً عليها.
وذكر المؤرخون ان ام البنين بعد الفاجعة بفقدان الحسين وأولادها الأربعة، خطت خمسة قبور (على سبيل الرمز) في مقبرة البقيع، تبكي عليهم واستمرت لوعتها وأحزانها حتى وفاتها (ع).
من أجل ذلك ومثله الكثير، كان لها مكانة متميّزة عند أهل البيت (عليهم السلام).
يقول الشهيد الأول وهو من كبار فقهاء الإمامية: كانت أم البنين من النساء الفاضلات، العارفات بحقّ أهل البيت (عليهم السلام)، مخلصة في ولائهم، ممحضة في مودّتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه، والمحلّ الرفيع، وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تعزّيها بأولادها الأربعة، كما كانت تعزّيها أيام العيد.
توفيت في 13 جمادى الآخرة سنة 64 للهجرة ودفنت في مقبرة البقيع في المدينة المنورة.
اسماعيل زلغوط
الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007

2007-07-06