ارشيف من : 2005-2008

غزاوي وشكرون في معرض للوحات إنتشلاها من منزلهما المدمر : .. وتعملقت اللوحة لتهزم حقد الطائرات

غزاوي وشكرون في معرض للوحات إنتشلاها من منزلهما المدمر : .. وتعملقت اللوحة لتهزم حقد الطائرات

"اغتيال مُحترف" هو عنوان المعرض الذي اختتم منذ أيام في قاعة قصر الأونيسكو للفنانين التشكيليين يوسف غزاوي وزوجته سوزان شكرون.
قد لا يكفي عنوان المعرض لكشف كل وقائع الحدث وتفاصيله التي يمكن اختصارها بكلمات كتبها الفنان غزاوي على بطاقة الدعوة المخصصة للمعرض، يقول غزاوي:
"مساء الرابع من آب العام 2006، وإبان العدوان الإسرائيلي على لبنان حلقت طائرة مهووس بالإجرام "استعمر الأثير بأسره" فوق منطقة حارة حريك، حيث تنام أعمالي الفنية وأعمال زوجتي سوزان شكرون، وألقى بكل حقد ولا مبالاة حمولة طائرته من قنابل ذكية (صنعها عبقري غبيّ) أصابت المبنى الذي تسكنه أعمالي المتوالدة باستمرار على مدى ثلاثين عاماً من دفء قلبي، وأعمال زوجتي الفتية الطريّة العود، التي أخذت ألوانها العيون الجميلة وربيع لبنان الدائم.. انهار المبنى فوق تعب العمر الذي لا يُحصى: مئات الأعمال بكل التقنيات وصولاً للموزاييك والفيتراي والمنحوتات والتجهيز، ناهيك عن مكتبة منوعة تحوي آلاف الكتب غلب عليها الفني الملون الباهظ الثمن.. تلاشى كل شيء بكبسة زر من هذا الطائر الشيطان، وهذه الأعمال التي سنعرضها هي ما استطعنا انتشاله من تحت الأنقاض بعد توقف العدوان، هي أشلاء أعمال وآهات ألوان وأشكال ثكلى فقدت الكثير من رفيقاتها وأمهاتها وآبائها.
وهذه الخسارة ليست الأولى التي أتعرض لها في حياتي، فهي تتعدد، الأولى كانت في بلدتي الخيام عام 1978 أثناء الاجتياح الإسرائيلي للجنوب حيث فقدت كل أعمالي منذ مرحلة الطفولة في منزل الأهل المسوّى بالأرض. والمرّة الثانية كانت عام 1982 أثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان حيث دمر المبنى الذي كنا نقطن أحد طوابقه، وفقدت معظم أعمالي الأكاديمية مع مكتبتي الخاصة.. ناهيك عن الأعمال التي احترقت وفقدت في جحيم الحرب الأهلية.
وها هي المرة الثالثة بتسلسلها التراكمي.
والحياة مستمرة..".
اذاً نحن أمام مادة أخرى من المعارض، يصعب معاملتها بالشكل المعتاد، ضمن الرؤى التشكيلية والانطباعات النقدية، والمقارنات بين المدارس والرواد، وحجم التجديد أو التقليد.. أنت هنا أمام "مجزرة لونية"، ضحاياها هم أعمال نُسجت في سنوات لتكون وجبة محترقة لطيار نهم، شره، متعطش للألوان، خاصة تلك المشتقة من الأحمر.
الدخول إلى قاعة المعرض، يعني أن تتمهل، لتستوعب المشهد، أو تتحضر لتدريب عينيك على رؤية اللوحة خارج طبيعتها، إطارها، قماشها، زجاجها.. أنت هنا شريك في لعبة متعددة القواعد، إحداها، تخيل الفراغ الذي أحدثه الدمار في اللوحات، فهنا عليك أن تركّب الألوان في ذهنك، ثم تجرب إسقاطها على اللوحات، علماً أنك قد تتخيل أشكالاً وألواناً أخرى، قد تصلح أيضاً لتكون هنا.
شرط آخر من شروط اللعبة، يجبرك على وضع تلك الأعمال ضمن سياق نضالي مقاوم، فيه من العزم والإرادة والشموخ، بقدر ما فيه من الألم والتأمل.
هي ذاكرة على شفير التلف، كما هي على شفير التحول من وجهها الأول كعنصر تشكيلي، صيغ في محترف ليكون بعد مدة في صالة عرض، إلى وجه ثانٍ غاضب، ساخط، مقاوم.

الحدث في شريط فيديو
يوم الافتتاح عرض شريط فيديو، يحكي الحدث، انطلاقاً من تموز، وصولاً إلى لحظة مواكبة الفنان للجرافة، وهي تقتلع الردميات، وسعيه من وقت لآخر لانتشال لوحة من هنا وورقة من هناك.
بين التلف الكلي والجزئي وصولاً إلى بعض الأعمال التي لم تتضرر، يشعر المشاهد أنه أمام سؤال وجودي، يتلخص في مقدرة الإنسان على تجاوز صعابه، كما بمقدرته على إعادة لملمة ذاكرته الممزقة وجمعها من جديد في مكان واحد، يعيد ترتيب المشهد المتشظي، بكثير من التحدي والإصرار على الاستمرار، ومعاودة ترتيب اليوميات ضمن المنهج السابق.

الفنان يوسف غزاوي
في المعرض التقينا الفنان يوسف غزاوي، الذي حدثنا عن المحترف الذي كان من الطبقة الخامسة، وسوي بالأرض، وعن محاولاته قبلها، "للتسلل" إلى المكان لتهريب بعض اللوحات، علماً أن المسافة كبيرة بين المحترف والسيارة التي كان يوقفها في منطقة الغبيري.
بمرارة يضحك غزاوي من مشهد جون بولتون الذي ينظّر لحرية قادمة ويبرر لصواريخ حارقة، وفي خلفية صورته لوحة بيكاسو "غيرنيكا" التي رُسمت كاحتجاج على الحرب في اسبانيا ويضيف غزاوي، أن عودته إلى المحترف باتت وشيكة، وولادة اللوحات، سترجع إلى بديهياتها، وفي معادلة عض الأصابع، الطيار طبعاً خاسر.

الفنانة سوزان شكرون
"الانتقاد" التقت أيضاً الفنانة سوزان شكرون، التي كانت تحضر لمعرضها الأول، بل كانت على وشك الانتهاء من اللمسات الأخيرة، ثم كان الدمار أكثر فجائعية، حيث أنها لوحات ولدت وماتت، من دون أن يراها أحد، وعن هذا تقول شكرون، إنها لن تعيد رسم تلك اللوحات، أو تقف عند أعتاب ذات المرحلة الفنية، بل ستنطلق من نقطة أخرى، فيها مغامرة لونية جديدة.
هنا نستطرد لنتحدث عن الهبّات النقدية والإعلامية العالمية، حينما تتعرض لوحة معروفة إلى  خدش (كما حصل لإحدى لوحات بيكاسو مؤخراً)، أو سرقة (كما حصل للوحة "الصرخة" لمونش)، وفي الوقت عينه، نلاحظ صمتاً عالمياً وعربياً أمام حدث ثقافي ووجودي أيضاً، له وقعه اللحظوي، كما أثره المستقبلي، اللهم إلا من بعض وسائل الإعلام التي واكبت الفنانين غزاوي وشكرون.
في معرض "اغتيال محترف" تتقاطع الانطباعات والآراء، إنما تلتقي جميعها على عنوان واحد هو، فشل الصهيوني الحاقد في محاولته اغتيال المحترف، وما المعرض سوى إعلان رسمي للخبر.
عبد الحليم حمود
الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007

2007-07-06