ارشيف من : 2005-2008

بوش وبوتين: هل تكفي أطباق الكركدن؟

بوش وبوتين: هل تكفي أطباق الكركدن؟

كل شيء من الجانب الأميركي كان يعبر بشكل بليغ عن الرغبة في تطرية الأجواء مع روسيا، خلال القمة المصغرة التي انعقدت بين الرئيسين بوتين وبوش في المنزل العائلي لهذا الأخير، على شاطئ الأطلسي في كنبنكبورت الواقعة في ولاية ماين الشمالية المحاذية لكندا. لكن كل شيء كان شخصياً وهادفاً إلى استحضار أجواء حميمية لم يخف الرئيس الأميركية تعويله عليها بهدف التأثير، عن طريق التودد، في الرئيس الروسي.
الاستقبال في المنزل العائلي هو الأول من نوعه لرئيس أجنبي في عهد بوش الابن، بعد أن كان هذا النوع من الاستقبالات عادياً ومتواتراً في عهد بوش الأب. بوش الأب نفسه، وعلى كبر سنه وحظوته كرئيس سابق، استقبل بوتين في أحد المطارات القريبة ليرافقه على متن طائرة هليكوبتر ثم سيارة ليموزين إلى المنزل العائلي. لورا بوش الزوجة حرصت من جهتها بعد القبلات التقليدية، على "تظبيط ياقة" بوتين بيدها. أما الرئيس فقد حرص على رفع الكلفة بعبارة "كيف حالك" التي استقبل بها بوتين، قبل أن يدعوه فور وصوله إلى القيام بنزهة على ظهر زورق للتمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة، لما لها من أثر في تحقيق الارتياح والانشراح، تمهيداً من قبله لطرح فكرة الخروج معاً في رحلة بحرية أخرى لصيد الكركدن البحري. والأهم من ذلك كله حضور "الكركند"، الأكلة التقليدية في الولاية، فوق المائدة في جميع الوجبات التي تناولها الرجلان خلال القمة التي سرعان ما أخذت اسم "قمة الكركدن".
أما من الجانب الروسي فقد كان البعد العائلي، وما يفترض به أن يضفيه على الأجواء من ألفة، غائباً بشكل كلي، لأن بوتين لم يحضر معه أياً من أفراد عائلته، الأمر الذي قد يشير الى وجود اختلاف أولي في النظرة إلى ما يطمح كل من الزعيمين إلى تثميره في القمة. اكتفى فقط بإحضار عدة باقات من الزهور تتناسب مع الأمل الذي عبر عنه قبل مغادرته موسكو، في أن تجري المفاوضات بذهنية "علاقات الصداقة" التي حرص على التركيز على طبيعتها "الشخصية" مع بوش. هل يعني ذلك تشديداً من قبله على وجود مسافة بين "الشخصي" والسياسي؟ ذلك مرجح في ظل التطورات غير السعيدة التي شهدتها العلاقات بين واشنطن وموسكو خلال الأشهر الأخيرة. وأيضاً في ظل ما عبر عنه بوتين من خلال تكرار استخدامه كلمة "صداقة" كبديل مأمول للواقع "العدائي" الذي فرضته تصريحات وسلوكات الإدارة الأميركية تجاه روسيا.
 بدأ كل شيء عندما صدرت عن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس فور تسلمه منصبه، وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن يقطع مع سياسات سلفه المعزول دونالد رامسفيلد وأن يتحدث بلغة مختلفة عن التدخل الأميركي في العراق، تصريحات اعتبر فيها أن عملية التحديث العسكري في روسيا هي تهديد للولايات المتحدة. ولم يتأخر بوتين في الرد بعد ثلاثة أيام بعبارات من العيار نفسه أو أشد، عندما وصف الولايات المتحدة بأنها قوة امبريالية تتجاهل القانون الدولي وتتصرف كدولة مارقة تمارس النفاق وتتشدق بالديمقراطية، في حين تدعم بعض الأنظمة الديكتاتورية.. ولم يكن الأمر مجرد هفوة لسان قوبلت بمجرد كلام قاسٍ، فالكلام خلفه وأمامه خصام أعاد إلى التداول الواسع فكرة الحرب الباردة وسباق التسلح، لا سيما عندما أعلنت واشنطن عن مشروعها القاضي بإقامة درع صاروخية في شرق أوروبا بدعوى اعتراض صواريخ إيرانية، وهي الدعوى التي رفضها الروس وردوا عليها بتجميد العمل باتفاقية الحد من الأسلحة التقليدية، وبإجراء تجارب على صواريخ عابرة متطورة، وصولاً إلى التهديد بتصويب الصواريخ نحو أوروبا الغربية. تلك مشكلة والسعي الأميركي ـ الأوروبي لاستصدار قرار من مجلس الأمن بفصل كوسوفو عن صربيا ووضعها تحت إشراف دولي قوبل بتهديد روسي باستخدام الفيتو، أثار مشكلة أكثر حدة ووضع في المقدمة حقيقة جديدة مفادها أن روسيا التي تحملت رغماً عنها التصرف الغربي في الشأن البلقاني، لم تعد مستعدة لتحمل المزيد. إضافة إلى الزحف الأطلسي والأوروبي السريع في البلطيق وأوكرانيا والقفقاس، بالتوازي مع الحملات الإعلامية الغربية التي لا تتوقف عن مضايقة روسيا من باب اتهامها بانتهاك الحريات وحقوق الإنسان داخل حدودها.
ما الذي حدا ببوش إلى توجيه الدعوة إلى بوتين لعقد هذه القمة؟
تخفيف حدة التوترات حول القضايا الشائكة المذكورة هو الجواب الذي يقدمه أغلب المراقبين.. ربما لأن بوش يحتاج إلى التخفيف من الضغوط التي باتت تحاصره خارجياً وداخلياً جراء فشل الغزو الأميركي للعراق.
لكن المراقبين يشددون على أن الهدف المباشر لبوش هو الحصول على دعم روسي لمشروع أميركي ـ أوروبي جديد لفرض عقوبات إضافية على إيران.. لم يرشح شيء عن اتفاقات يمكن أن يكون قد توصل إليها الفريقان، لكن أي اتفاقات ممكنة لا يمكن إلا أن تكون خاضعة لمدى ما يمتلكه كل فريق من أوراق ضاغطة. فبوش لا يمتلك من جهته كثيراً من هذه الأوراق، فورطته العراقية وغيرها من ورطاته في الشرق الأوسط، وسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس والانخفاض القياسي في شعبيته، والضغوط التي بدأت تمارس عليه حتى داخل الحزب الجمهوري مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، واضطراره إلى إقالة أبرز أعضاء طاقمه الحاكم، كل ذلك جعل من الولايات المتحدة في ظل حكمه تحظى بلقب "العملاق العاجز المثير للأسى"، كما جعلها في نظر الأوروبيين وفقاً لآخر الاستطلاعات، أكبر تهديد للأمن في العالم. ويكفيه مثلاً أن التظاهرات المطالبة بإيقاف الحرب وبعزله مع نائبه ديك تشيني قد سبقت بوتين إلى الحي الذي يقوم فيه المنزل العائلي الذي انعقدت فيه القمة.
أما بوتين القوي بشعبيته، والقوي بسلاح النفط والغاز، والقوي خصوصاً بمآزق أميركا، فقد جاء إلى ماين ليقول لبوش بكل لياقة الصداقة، إن روسيا قد عادت إلى المسرح، وهي تريد المشاركة بقدر حجمها في اتخاذ القرار الدولي.
وإذا كان بوتين قد قبل دعوة بوش لزيارته، فلأنه يعلم أن بوش في وضع يجبره على أن يعطي أكثر مما هو في وضع يسمح له بأن يأخذ. وهو يعلم بأن ما يريده من بوش هو أكثر بطبيعة الحال من أطباق "سرطان البحر".
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007

2007-07-06