ارشيف من : 2005-2008

لإبقاء بريطانيا في العراق: كل شيء جائز!

لإبقاء بريطانيا في العراق: كل شيء جائز!

بعد خمسة أيام فقط على رحيل توني بلير، استلم غوردون براون مقاليد الحكم على وقع التهديد الإرهابي الذي تتعرض له بريطانيا. لم يصل الأمر إلى ما وصل إليه في تموز/ يوليو 2005، عندما قتلت التفجيرات وجرحت خمسين شخصاً في وسائل النقل اللندنية، بل اقتصر على اكتشاف سيارتين مفخختين بمتفجرات بدائية في إحدى ساحات لندن المكتظة، وتفجير سيارة مشبوهة قرب أحد المستشفيات في غلاسكو من دون أن يعثر بداخلها على أي متفجرات، وقيام سيارة بمحاولة اقتحام شريط شائك أمام إحدى بوابات مطار غلاسكو في اسكتلندا.. والنتيجة جريحان أحدهما سائق السيارة واعتقال سبعة مشبوهين. لكن الاهتمام الذي أحاط بهذه الأحداث لم يكن أقل من الاهتمام الذي أحاط بتفجيرات العام 2005، فقد أعلنت حالة التأهب القصوى التي تعني احتمال وقوع تفجيرات أو أعمال عنف وشيكة، وأغلق قسم من مطار هيثرو أمام المسافرين، وحضر 250 شرطيا للسهر على الأمن أثناء حفل موسيقي ضخم أقيم في ستاد ويمبلي لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الأميرة ديانا، ونفذ العديد من أعمال الدهم.. وقد امتدت الإجراءات الأمنية إلى الضفة الغربية للأطلسي، حيث عززت المراقبة وأعمال التفتيش في المطارات وعلى الطائرات المتوجهة إلى أوروبا. أما التصريحات فعكست استمرار الموقف البريطاني على ما كان عليه أيام بلير، اذ صرح غوردن براون بأن بريطانيا تخضع لتهديد على المدى البعيد، وهو لن يزول في أسابيع وأشهر.. مضيفاً: إن محاولات التفجير هي من صنع منظمة دولية تسعى لإيقاع أكبر عدد من الضحايا المدنيين، وإن بريطانيا لن تستسلم للتهويل. وفي حين فهم من كلام براون أنه يتهم تنظيم القاعدة، تحدث مستشاره الأول في الشأن الإرهابي لورد ستيفنس، عن تصعيد أكبر في الحرب التي يشنها الإرهاب الإسلامي ضد بريطانيا، وعن نقل تكتيكات بغداد وبالي إلى شوارع بريطانيا.
 أما الرئيس بوش فقد حيا الرد الحازم جداً من قبل السلطات البريطانية، معتبراً أن ما حدث يثبت أن الحرب ضد هؤلاء المتطرفين ستستمر، في كلام يستفاد منه أنه يفكر باستمرار الحرب على المتطرفين أكثر مما يفكر بالعمل على إزالة أسباب الحرب التي يشنها المتطرفون. وربما يكون الرئيس بوش قد أفصح بقوله هذا عن رغبته باستمرار بريطانيا في المشاركة في الحرب على العراق، بعد أن كانت هذه الأخيرة قد خفضت عدد جنودها هناك وسط توقعات بإمكانية انسحابها بشكل نهائي في غضون الأشهر القليلة القادمة. موقف يثير بالطبع مخاوف بوش، لأن بريطانيا هي حليفته الأولى، وانسحابها بعد انسحاب العديد من الحلفاء سيأتي بمثابة ضربة قاسية للمشروع الأميركي، ولا سيما أن غوردن براون لا يبدو متحمساً شأن سلفه بلير لاستمرار حرب ألحقت ضرراً أخلاقياً كبيراً ببريطانيا وأميركا، إضافة إلى أضرارها المادية. ثم إن براون الاسكتلندي، يعطي أولوية قصوى لما يسميه مسألة الهوية البريطانية، في وقت تتنامى فيه الميول الانفصالية في اسكوتلندا بشكل يخشى معه من إثارة حساسية الإنكليز ضد حكومته. كما أن تفاقم المشكلات الاجتماعية في ظل حكومة بلير (ارتفاع نسبة الانكليز الذين يعيشون تحت خط الفقر من 13 إلى عشرين في المئة حالياً) برغم كل ما يقال عن الازدهار الذي حققه الاقتصاد في ظل بلير، كل ذلك كان في أساس توجهات بلير نحو إيلاء مزيد من الاهتمام بقضايا الصحة والتعليم والعمل. لكن عودة الإرهاب لاحتلال مقدم المسرح بعد أيام من وصول براون إلى قمة السلطة التنفيذية، تشكل عنصر إزعاج لبرامج براون الداخلية، وتجبره على مستوى التصريحات على الأقل، على المحافظة على خط بريطانيا التقليدي المرسوم أميركياً إزاء إرهاب يبدو أن واشنطن هي أول المستفيدين منه، أو أول العاملين على تغذيته، بالسر حيناً وعلى المكشوف أحياناً أخرى.
ع.ح.
الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007

2007-07-06