ارشيف من : 2005-2008
الصراع على الذهب الأسود في القارة السوداء:ساركوزي يغازل القذافي للعودة إلى أفريقيا
باريس ـ نضال حمادة
تحتل العلاقات الفرنسية الأفريقية أهمية خاصة في السياسة الخارجية للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي أعلن مبكرا أثناء الحملة الانتخابية التي قادته إلى الإليزيه عن سياسة جديدة لفرنسا اتجاه القارة الأفريقية بعد التوترات التي شابت هذه العلاقة إبان حكم الرئيس السابق جاك شيراك، ودخول الصين بقوة الى بلدان أفريقية كانت حتى الأمس تعتبر محميات فرنسية، فيها مصالح اقتصادية ونفوذ سياسي فرنسي يعود إلى الحقبة الاستعمارية التي امتدت لعدة قرون، حيث كانت فرنسا الدولة الاستعمارية التي حددت الخريطة الجغرافية لأفريقيا السوداء وأنشأت معظم الدول الأفريقية الحالية.
غير أن ما أثار قلق فرنسا من تعاظم النفوذ الصيني في افريقيا ابتداء من دارفور وصولا إلى خليج غينيا الغني بالنفط هو النسبة المرتفعة لحضور الرؤساء الأفارقة لقمة الصين ـ أفريقيا الأولى التي عقدت في بكين في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر العام 2006 حيث حضر هذا المؤتمر أربعة وعشرون رئيس دولة افريقية مقارنة بالقمة الرابعة والعشرين لأفريقيا ـ فرنسا التي حضرها سبعة عشر رئيس دولة أفريقية فقط.
من هنا يبدو استعجال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لإعادة ترتيب الأوضاع مع دول القارة السوداء خصوصا تلك الغنية بالنفط والتي تميزت بعلاقاتها السيئة مع فرنسا جاك شيراك، وكان أكثر ما لفت انتباه المراقبين اللقاء الذي جمع الرئيس ساركوزي بعد يوم واحد من انتخابه مع الرئيس الغابوني عمر بانغو، وكان الهدف الأساس لهذا الاجتماع هو تجديد العقد لشركة توتال إلف الفرنسية في استخراج واستغلال حقول النفط في الغابون، حيث تردد ان بانغو رفض تجديد العقد في البداية ثم ما لبث ان تراجع عن قراره لأسباب غير معروفة، وإن كان بعض المراقبين يربطون بين رجوع بانغو عن قراره، هذا وما نشرته صحيفة لوباريزيان الفرنسية عن فتح دعوى قضائية تتعلق بأموال بانغو في فرنسا.
في السياق نفسه يبدو ان توتر العلاقات الفرنسية الأفريقية لا يقتصر فقط على الغابون ورئيسها عمر بانغو، وإنما يتعدى ذلك الى توتر أمني وعسكري كما حصل ويحصل في ساحل العاج، أضف إلى ذلك توتر العلاقة مع رئيس غينيا الاستوائية ساسونغو الذي تربطه علاقة مصاهرة مع رئيس الغابون، وتكمن أهمية غينيا في الاحتياط النفطي الضخم الموجود في مياهها الإقليمية فضلا عن جودته وانخفاض كلفة إنتاجه، بالإضافة للعامل الأمني المتمثل ببعدها عن مناطق وجود العرب وامكانية إقامة منصات إنتاج بحرية بعيدة عن متناول الجماعات المعادية للغرب في أفريقيا.
هذا ويبدو جليا ان البلدان الأفريقية المنتجة للبترول تفضل الصين على أميركا وأوروبا حسب قول دبلوماسي أفريقي يعمل في باريس، مضيفا أن الصينيين يدفعون أكثر من الغرب، ويستخرجون النفط بكلفة أقل، والأهم من كل ذلك أنهم لا يتدخلون بالسياسة، ولا يضغطون على الحكومات القائمة، وهنا يكمن سر اهتمام الأفارقة بالتعامل معهم، هم يعملون في التجارة فقط لا غير.
في هذا الوضع المتأزم أفريقياًً بالنسبة لفرنسا، يبدو الرئيس الليبي معمر القذافي ورقة الخلاص التي ينشدها ساركوزي للحفاظ على النفوذ الفرنسي في افريقيا المهدد صينيا، وهذا ما يفسر حماسة الرئيس ساركوزي لطرح القذافي بخصوص إنشاء الولايات المتحدة الافريقية، ومسارعته الى الاتصال به والإعراب عن دعم فرنسا لهذا المشروع بحجة التدخل لحل قضية الممرضات البلغاريات المحكومات بالإعدام في ليبيا، وهو ينشد من خلال ذلك أمرين أساسين:
1- الاستعانة بنفوذ القذافي المالي والسياسي لدى الأفارقة من أجل التخفيف من الاعتماد على الصين.
2- الحصول على حصة في النفط الليبي تقلص اعتماد فرنسا على الدول الأفريقية كأنغولا والغابون وغينيا الاستوائية.
يعتقد ساركوزي في خطوته تلك بوجود مصلحة مشتركة بين فرنسا وليبيا، فهو يرى ان الهدف الأول للقذافي يتمثل بتأمين وصول ابنه سيف الإسلام إلى سدة الحكم من دون عراقيل، وهو يدرك استحالة تأمين انتقال السلطة بطريقة هادئة من دون موافقة أميركا والغرب، وهنا يكمن دور الرئيس ساركوزي في تأمين رضى أوروبي وصمت أميركي عند انتقال السلطة إلى سيف الإسلام القذافي، وفي المقابل تكون ليبيا كبوابة العودة للنفوذ الفرنسي إلى القارة السمراء مرة أخرى بعدما خسرت بعضه لمصلحة النفوذ الأميركي، وتخسر بعضه الآخر لمصلحة النفوذ الصيني الذي يبدو أنه سيكمل انتشاره وتوسعه بسبب الإستراتيجية التي تتبعها الصين في التعامل مع الدول الأفريقية التي ربما تجد نفسها ولأول مرة تتعامل مع جهة تبدي بعضا من الاحترام لخصوصياتها.
الانتقاد/ العدد1222 ـ 6 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018