ارشيف من : 2005-2008

أولوية السياسة في الأمن

أولوية السياسة في الأمن

فلا يختلف اثنان من اللبنانيين على الأولوية المطلقة للأمن. أما الفرقاء الدوليون والإقليميون الذين يتداولون الشأن اللبناني فهم أيضاً يشددون على أهمية استقرار الأوضاع الأمنية. وفي المهمة العاجلة لموفدي الجامعة العربية هناك محرّك أساسي هو التداعيات الأمنية. ومن بداهة الأمور القول إن الذين يلعبون بأمن لبنان أو يعبثون به، والذين يتلقون النتائج المأساوية لذلك يعتبرون أن للأمن أهمية استثنائية. فلا أحد يستطيع أن يلوم فريق الأكثرية النيابية إذ يرفع شعار «الأمن قبل الحكومة» حتى لو كانت نواياه حسنة إلى حد أنه يريد أن يأخذ الأمن والحكومة كما فعل بشعار المحكمة قبل الحكومة. لقد أخذ المحكمة كما يشتهي وما يزال يطلب المزيد.‏

جميع «الثوابت اللبنانية» مرتبطة بالأمن. موسم السياحة الصيفية وحركة الاقتصاد والاستثمارات، باريس ـ 3 وتطبيقه، تنفيذ القرار الدولي 1701 بكل مفاصله، استعادة البحث بالنقاط السبع، تطبيق القرار الدولي الخاص بالمحكمة ,1757 تفعيل الحكومة نفسها والحياة البرلمانية والسياسية كل ذلك يحتاج إلى الأمن. لكن كيف يقارب فريق الأكثرية النيابية هذا الموضوع؟‏

لا شك أن فريق الأكثرية النيابية تعرّض إلى حملة اغتيالات سياسية منظمة. بالفعل يمكن ربط كل اغتيال بذاته بعمل ما ينوي هذا الفريق القيام به، إما لمنعه من ذلك وإما لدفعه بقوة في هذا الاتجاه. ربما أيضاً يصح التوصيف على قوى المعارضة أيضاً. إلا أننا لا ننكر كيف أن الموالاة هي التي دفعت ثمن مسلسل الاغتيالات والمواطنين العاديين دفعوا عموماً ثمن كل النتائج الأخرى ولا سيما الخسائر المادية وتخريب كل نظام الحياة الطبيعية.‏

ورغم الإقرار أن لبنان يتعرّض الآن لصراع دولي وإقليمي عنيف ما يرتب نتائج على قراءة التحديات الأمنية، تحصر قوى الأكثرية النيابية عدوها في اتجاه سياسي واحد. هي غير مستعدة للتصديق أن الولايات المتحدة ما زالت تشن حربها المقدسة على الإرهاب في طول المنطقة وعرضها، ولبنان ليس خارج هذا السياق فالاهتمام السياسي اليومي به وبحكومته لم يتوقف.‏

وكذلك إن إسرائيل شنّت حرباً على لبنان الصيف الماضي معلنة بعض الأهداف لتطبيق القرار الدولي 1559 في شقه المتعلق بإنهاء سلاح المقاومة. ولا تريد أن تصدق كذلك أن قوى الأصولية التي تشبه نمط «القاعدة» موجودة في لبنان ولو بحدود التسهيلات التي يقدمها لها هذا النظام أو ذاك، كما ظهر في حرب مخيم نهر البارد مع «فتح الإسلام». كل ذلك على الأقل ليس في أولويات قوى الأكثرية النيابية. وهي لا ترغب في بحث مسألة من المستفيد من كل المسلسل الأمني حتى لو جاءت نتائجه على شكل ملفات إضافية تبرّر وتعزز القناعة بوجود المحكمة الدولية، وما تشكله من تهديد لخصومها. وبالمزيد من تدويل الأمن في لبنان وتوسيع نطاق انتشار القوات الدولية ودورها، وهذا مطلب أساسي لقوى السلطة اليوم.‏

إذا سلّمنا جدلاً أن ثمة مصدراً واحداً وحيداً للتهديد الأمني هو «النظام السوري» فوجب الاستنتاج أن لديه كل التصميم والقدرة على ضرب الأمن والاستقرار في لبنان وأن لديه مجموعة أهداف سياسية يريد تحقيقها من وراء ذلك وأن المحكمة وكل القرارات الدولية والدعم الغربي للبنان والتضامن العربي مع لبنان وحكومته لم يؤد إلى وضع حد لهذا التدخل والأذى والتدمير. ربما إذاً هو يتصرف بالساحة اللبنانية كما تتهمه الولايات المتحدة وحلفاؤها على نحو ما يتصرف في العراق وفلسطين. وفي العراق لم يمنع وجود مئات آلاف الجنود وكل فائض القوة العسكرية الأميركية من وقف حال الفوضى. في حين أن القوات الدولية في جنوب لبنان التي جاءت بموجب قرار جرى التفاهم السياسي حوله وإقرار اللبنانيين بشرعيته يؤمّن الاستقرار بعد حرب طاحنة دون أن تستوفي كل أهدافها السياسية من الطرفين. وهي ما كانت كذلك لولا تفاهمات واسعة حولها وقبول صريح من «المقاومة» التي هي الفريق الذي يمتلك الجزء الأكبر من السلاح خارج إطار مؤسسة الجيش والقوى الأمنية اللبنانية.‏

يردّنا ذلك كله إلى بيان الصلة أو إعادة اكتشافها بين الأمن والسياسة. فلا يمكن تحقيق الأمن بالمزيد من الأمن. فلا الولايات المتحدة استطاعت إخماد العنف في العراق وهي تدفع بالمزيد من القوات إليه، ولا التدابير الأمنية من خارج التفاهمات السياسية مكّنت «فتح» و«حماس» أن يصلا معاً إلى فرض الاستقرار وإحياء وإدارة المؤسسات الوطنية الفلسطينية المشتركة. ولطالما شهدنا في تجربة الحرب الأهلية اللبنانية النتائج نفسها لشعار «الأمن قبل الإصلاح والأمن قبل الرغيف». فلا يمكن للأمن إلا أن يأتي ثمرة حلول سياسية للمشكلات. وهذه الحلول قد لا تستطيع حكومة الوحدة الوطنية معالجتها كلها، بل ربما كانت وسيلة للتخفيف منها وإعادة تصويب المناقشة الوطنية حولها. فإذا انقطع الحوار توقفت المعابر وذهبنا أبعد من التعديات الأمنية بالإرهاب إلى ما هو أدهى كالجبهات المفتوحة بين الضفة وغزة، وربما دخلنا في سياسة إقفال الحدود وإغلاق التواصل الإنساني بين دوائر نفوذ الجماعات اللبنانية. وعلى فرض أن الأمن تهدده جهة واحدة فاللبنانيون أولى بمعالجته من خلال وفاقهم وشراكتهم الوطنية لأنه أمنهم المباشر وهو ما دون مطالب التعريب والتدويل.‏

المصدر : صحيفة السفير اللبنانية‏

2007-06-23