ارشيف من : 2005-2008
ماذا قال عون لمحاوريه الفرنسيين عن علاقته بـ«حزب الله»؟
كتب عماد مرمل
صحيح ان الدخول الفرنسي على خط دعم تشكيل حكومة وحدة وطنية ورعاية الحوار بين اللبنانيين قد شكل قوة دفع أساسية للجهود المبذولة من أجل اختراق جدار الأزمة الداخلية السميك، إلا أن «قواعد اللعبة» في لبنان قد لا تتيح لباريس أن تحقق الكثير.
وبموازاة زيارة الموفد جان كلود كوسران إلى بيروت من أجل التحضير للقاء الحواري المفترض في فرنسا، هناك من يرى أن هوامش المبادرة الفرنسية مكبلة بقيود إقليمية ودولية لن تسمح لها الذهاب بعيداً في مشوارها اللبناني، وفي اعتقاد أصحاب هذا الرأي أن أميركا بشكل خاص ثم السعودية، لا مصلحة لهما ـ كلٌ لحساباته ـ في أن تقطف باريس ثمرة رعاية أي تسوية للازمة الداخلية. فواشنطن تريد ان تتولى هي «البيع والشراء» في سوق التفاوض مع دمشق وطهران، أما الرياض التي كان مطروحاً ان تستقبل مؤتمر حوار بين اللبنانيين فإنها لن تكون متحمسة كثيراً لانتقال هذا «الامتياز» الى بلد آخر وهي تفضل ان تكون راعية أي نجاح في معالجة المشكلة اللبنانية.
وفي كل الحالات يبدو واضحاً أن باريس تشعر، مع إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي في مجلس الامن، بأن «العنب» قد أُكل وبالتالي لا داعي بعد اليوم لمحاولة قتل الناطور، وهذا ما يفسر أنها باتت تملك استعداداً جدياً للدفع في اتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية تحول دون الوصول إلى الفراغ او المجهول الذي سيكون من شأنه قلب الطاولة على رؤوس الجميع وبالتالي «هدر» المكاسب التي تعتقد فرنسا أنها تحققت حتى الآن.
ويعتبر المقرّبون من العماد عون أن لقاءاته في باريس وخصوصاً مع وزير الخارجية برنار كوشنير قد ساهمت بقوة في «تطوير» الموقف الفرنسي من المشكلة اللبنانية. وحسب المعلومات، فإن «الجنرال» طرح على كوشنير خلال الاجتماع الثاني بينهما ضرورة تشكيل حكومة وفاق وإنقاذ تستوعب أحداث مخيم نهر البارد وتوحّد كل الجهود في مواجهة تداعياتها.
وفي ما خصّ الاستحقاق الرئاسي، أشار عون أمام مضيفه إلى وجوب انتخاب رئيس يحقق التوازن ويعيد الاعتبار إلى الدور المسيحي في السلطة ويسمح بإدارة النظام السياسي بشكل عادل وحكيم، فإذا تعذّر ذلك تصبح الاولوية للاتفاق على قانون انتخاب عادل تجري على أساسه الانتخابات النيابية ثم الرئاسية.
ولكن «الاختبار» الأهم الذي واجه «الجنرال» كان أمام 11شيخاً من أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي، إذ طرح هؤلاء على ضيفهم أسئلة وُصفت بأنها «دقيقة وذكية»، تمحورت في الجزء الرئيسي منها حول علاقة عون مع حزب الله وخلفيات التفاهم بينهما، وكان لافتاً للانتباه أن «الشيوخ» استخدموا العديد من «المناورات» التكتيكية لإحراج الجنرال او حشره في الزاوية، بحيث كانوا يحاولون «مباغتته» بأسئلة، متنوعة الصياغات، حول هذه النقطة او تلك بعدما يكون قد افترض أن النقاش حولها انتهى، مع ذلك خرج عون مرتاحاً من الجلسة المغلقة ـ كما يقول المقربون منه ـ وهو الذي اعتاد على مختلف «فنون» الحوار.
ورداً على الأسئلة التي وُجهت اليه، تحدث عون عن نشأة حزب الله وفكره، لافتاً الانتباه الى انه انطلق عام 1982كحركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي وهذا حق مشروع وبديهي ولا داعي للاستشهاد في هذا المجال بالمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الالماني. وأضاف: لقد استفادت المقاومة من المعطيات الاقليمية لتجهيز وتطوير ذاتها من دون الالتزام أمام الكيانات الاقليمية بأي أمور تسيء الى مصلحة لبنان. صحيح أن خطاب حزب الله اتخذ البعد الاممي والاسلامي، ولكن سلوكه لم يتجاوز حدود الوطن وإني أتحدى ان تبرزوا لي حادثة واحدة، خارج مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، تُبين أن حزب الله أساء من خلالها إلى لبنان وأضرّ بمصالحه الوطنية.
وواصل عون عرض رؤيته لمسار حزب الله، شارحاً أن المقاومة بقيت بعد العام 1990 خارج نطاق المشاركة في إدارة السلطة ولم تهتم بأي تفصيل من التفاصيل الداخلية، علماً أنه كانت لديها القدرة والقوة لفعل ذلك، مفضلة أن تظل متفرغة لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي، وبعد التحرير في العام 2000 تنبّهت المقاومة إلى أن إسرائيل لن تسامحها على الهزيمة التي ألحقتها بها، في وقت أهمل النظام السياسي في لبنان بناء الدولة القوية القادرة التي تستطيع أن تقول لحزب الله إنها سترفع عنه أعباء المواجهة.
وتابع عون موجهاً كلامه إلى الشيوخ الفرنسيين: هكذا، لم يشارك الحزب في النظام إلا بعد الانسحاب السوري، وحينها كنت أمام واحد من خيارين، إما التصادم مع هذه الحالة وإما إيجاد خارطة طريق تقود إلى الدولة القوية القادرة التي تشكل الملاذ الآمن وتوفر ضمانتين هما عدم استسهال إسرائيل للاعتداء على لبنان وعدم الانتقام من المقاومة في ظل الضغوط التي تتعرّض لها، فكان التفاهم الذي أدى الى لبننة خطاب حزب الله بالكامل على قاعدة أنه بعد تحرير مزارع شبعا والأسرى يعود حزب الله ليصبح جزءاً من استراتيجية دفاعية تمنح الطمأنينة وتزيح عن كاهله العبء الكبير الذي يتحمله، في حين أن بعض أعضاء الحلف الرباعي السابق كانوا قد شطحوا في إغداق الوعود التي تجاوزت الحدود اللبنانية إلى تحرير فلسطين. والحزب مقتنع جداً من جهته أن الدولة القوية القادرة، المبنية على أساس المشاركة الحقيقية، هي الملاذ الذي يحمي لا السلاح الذي هو وسيلة وليس غاية.
وخلص عون إلى القول: لقد أثبتت الأحداث في نهاية المطاف صحة نظريتي لجهة أن لا جدوى من التصادم ولو قام الذين عارضوا «التفاهم» بمناقشته علمياً لكانوا قد اكتشفوا أنه السبيل الأمثل الذي يوفر على لبنان المآسي لكنهم اعتادوا على فكرة الوصاية بديلاً عن الاستقلال.
وعندما طرح عون أهمية بناء الدولة المدنية، سئل: ماذا تعني بذلك.. هل تريد الاقتباس من التجربة التركية؟ فردّ مستدركاً: في تركيا هناك حالة مفروضة بحراسة الجيش قد لا تستمر طويلاً، بينما ما أسعى إليه في لبنان هو الانطلاق أفقياً وليس عمودياً، بحيث يتم التحول الى المواطنية عن طريق قناعة الفرد.
وقيل له: ماذا عن نظرتك الجديدة إلى سوريا ونحن الذين نعرف أنك كنت على عداء معها؟
أجاب: لا يمكن للبنان أن يقوم على حالة عداء مع سوريا التي يجب ان تكون العلاقات جيدة وندية معها، كما رسمها التفاهم مع حزب الله وقررها مؤتمر الحوار الوطني.
المصدر : صحيفة السفير ـ 12 حزيران 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018