ارشيف من : 2005-2008
"السكينة الإلهية" هدية الله للمجاهدين
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتِْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمِ
الآيات الثلاث تحكي قصة وقعة حنين، وعجيب ما أفاض الله على المسلمين من نصرته وخصهم به من تأييده فيها. وذلك بإنزاله تعالى سكينتة على رسوله وعلى المؤمنين وإنزال جنود لم يروها وتعذيب الكافرين.
ولفظ "السكينة" تكرّر ذكره في القرآن الكريم أكثر من مرة. وفي كل مرّة كان يرِد ذكره في معرض الكلام عن نصر الله لرسوله(ص) وللمؤمنين على أعدائهم إما في قتال قائمٍ فعلاً وإما في أجواء معركة ستقع. كما هو الحال في هذه الآية وفي آيات تالية سنأتي عليها لاحقاً.
فما هي حقيقة هذه "السكينة"؟ وما صلتها بجنود الله المنزلة معها؟ وبالتالي ما هو دورها في إنجاز النصر المحكي عنه؟
ألسكينة من السكون وهو خلاف الحركة. وتستعمل في سكون القلب وهو استقرار النفس وعدم اضطرابها. هي حالة نفسانية تحصل من السكون والطمأنينة.
فإن كانت السكينة هي هذه فقد كانت في أول الوقعة ـ وقعة حنين ـ عند الكفار أعداء المسلمين ثم تركتهم ونزلت على عامة جيش المسلمين من مؤمن ثبت مع رسول الله (ص) ومن مؤمن لم يثبت واختار الفرار على القرار، ومن منافق ومن ضعيف الإيمان مريض القلب فإنهم جميعا رجعوا ثانيا إلى النبي (ص)، وثبتوا معه حتى هزموا العدو فهم جميعا أصحاب السكينة أنزلها الله إليهم. إذا كانت هي هذه، فما باله تعالى يقصر إنزال السكينة على رسوله وعلى المؤمنين إذ يقول: «ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين».
على أنه إن كانت السكينة هي هذه، وهي مبذولة لكل مؤمن وكافر فما معنى ما امتن الله به على المؤمنين بما ظاهره أنها عطية خاصة؟
وبذلك يظهر أن السكينة أمر وراء السكون والثبات. إن الذي يريده تعالى من السكينة في كلامه له مصداق غير المصداق الذي نجده عند كل شجاع باسل له نفس ساكنة وجأش مربوط، وإنما هي نوع خاص من الطمأنينة النفسانية له نعت خاص وصفة مخصوصة، من أثرها أن تزيد المؤمن إيماناً مع إيمانه وتلزمه كلمة التقوى فيصير على "وقاية إلهية" من اقتراف المعاصي وهتك المحارم. الأمر الذي يجعله لا ينسى مقام ربه كما هي حال عامة الشجعان أولي الشدة والبسالة المعجبين ببسالتهم المعتمدين على أنفسهم.
هي حالة إلهية قد نسبها الله سبحانه في كتابه إلى نفسه نسبة تشعر بنوع من الاختصاص ووصفها بالإنزال فلها اختصاص "عندي" به تعالى، بل عدها في بعض الآيات من جنوده كقوله تعالى: «هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض:» الفتح: - 4.
وقال أيضا: «إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها: الفتح: - 26.
ولذا فإن هذه السكينة، وبما هي شأن إلهي له من الصفات والآثار ما رأيت، تستوجب في نزولها أهلية خاصة وأحقية قبلية في قلوب من تنزل عليهم لا أنها تنزل على أيٍ كان ممن يصدق عليهم وصف "المؤمنين". وقوله تعالى في الآية السابقة بعد الكلام على نزولها: "وكانوا أحق بها وأهلها" يؤكّد على هذه الأحقية والأهلية.
وهو ما تشير إليه الآية التالية: "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم" الفتح: - 18 فذكر سبحانه أنه إنما أنزل السكينة عليهم لما علمه من قلوبهم، فنزولها يحتاج إلى حالة قلبية طاهرة سابقة يدل السياق على أنها الصدق ونزاهة القلب عن إبطان نية النقض لبيعتهم.
عن ابن عباس في قوله تعالى: "فعلم ما في قلوبهم" إلى قوله: "فأنزل السكينة عليهم" قال: إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء. يقول تتعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما). فاشترط في الأجر، الوفاء وعدم النكث".
الانتقاد/ العدد1223 ـ 13 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018