ارشيف من : 2005-2008
حرب تموز في سياقاتها الثقافية
هل يمكن فصل حرب تموز عن سياقات الصراع الأزلي بين الحق والباطل؟ وبالتالي بين قوى الخير وقوى الشر؟ أليس ثمة أسس وقواعد نظرية وخلفيات ثقافية فكرية تحكم هذا الصراع الذي بدأ مع الكلمة الإلهية الموجهة إلى أبَوَيْ هذه البشرية آدم وحواء: "اهبطا منها بعضكم لبعضٍ عدو"، لتلي ذلك مباشرة أول تجربة اعتداء في القاموس البشري متجسدة بقتل قابيل لأخيه هابيل. ثم أليس في بعث الله للأنبياء والرسل إلى ملوك الأرض وطواغيتها بهيئات الفقراء والمساكين عبرةً لنا ونحن نقرأ اليوم في دفاتر حرب تموز المظفّرة حيث كانت ثلة من فتية آمنوا بربهم تواجه العالم الداعم لإسرائيل المزودة بأحدث التقنيات الحربية.
لماذا لم يفتح الله تبارك وتعالى لأنبيائه كنوز الذهب والفضة ومعادن الجواهر؟ أليس في استطاعته أن يحشر لهم طير السماء ووحوش الأرض وأن يمدّهم بجنود مجنّدة من الملائكة الذي يكفونهم مشقة القتال؟
بلى بإمكانه أن يفعل، ولكنه لم يفعل وإنما خاطب نبيه موسى (ع) قائلاً: "اذهب إلى فرعون إنه طغى".
وهكذا وقف موسى(ع) بين يديه بقلبه العامر بالإيمان وعقله المستنير بالحكمة يدعوه إلى الإيمان. نظر فرعون إلى موسى وما هو عليه من ظاهر الهوان وهيئة الفقر والبؤس وراح يقارن بين ظاهر أبهته وعظمة ملكه وبين الوضع المزري الذي يبدو عليه هذا الذي يدّعي النبوة والرسالة "يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار".
وكذلك وقف نبي الله إبراهيم (ع) في وجه النمرود يدعوه إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وهو على مثل ما كان عليه موسى (ع) من هيئة الفقر وظاهر الهوان، وكذلك وقف محمد (ص) في وجه طواغيت قريش، وزكريا (ع) ويحيى (ع) ونوح (ع)... كان بإمكان الله تبارك وتعالى أن يمدّهم بكل أسباب القوة والنصر، لكنه جلّت قدرته وإرادته أراد للتجربة البشرية أن تأخذ مداها في مواجهة الباطل، وهذا ما حدث في عدوان تموز، وقفت طائرات العدو تعربد في السماء وتدمر البيوت وتقتل الأطفال والأبرياء، وظهر قادة العدو يتهددون ويتوعدون معتمدين على الدعم الخارجي وعلى آلة القتل والدمار التي بحوزتهم، ولو شاء الله لأفناها في طرفة عين، لكنه لم يفعل ولو فعل لسقط الابتلاء وذهب الأجر والثواب.
"فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً".
حسن نعيم
الانتقاد/ العدد 1223 ـ 13 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018