ارشيف من : 2005-2008

نصر تموز في مرايا الشعر المواكب

نصر تموز في مرايا الشعر المواكب

كتب د.عبد المجيد زراقط

في تموز عام 2006م، كان العدوان الصهيوني، وكانت مواجهة المقاومة الإسلامية، وتحقيقها النصر الذي وعد به سيدها، سجّل الشعر ذلك إبّان خوض المعارك، فقال غسان مطر على سبيل المثال:
"النصر آتٍ"
قلتها ووفيت
قل ما شئت بعد اليوم
وعدك صادق
ويشع من دمك الوفاء...
عندما ناديتهم يا بن الحسين
كأنهم سمعوا الحسين بكربلاء...
فهذي الأرض، بعد النصر تحلم
بالقيامة والرجاء"(1).
عدوان جيش يوصف بأنه الجيش الأحدث تسليحاً في العالم، تواجهه حركة مقاومة شعبية لا يزيد "عدد أفرادها على بضعة آلاف، وتحقق النصر، ثنائية تحاول هذه القراءة أن تتبين تمثلها في الشعر المواكب لها.
لا يخفى أن الشعر المواكب قد يكون، في كثير من نماذجه، وليد الانفعال الحاد الغاصب... المتمثل لغة مباشرة، مثل القول: "هذا القلب الأسود/ أشرف من هيئة أمم/ لا توقف إطلاق النار" (ص131) وقد يقرب من الصحافة بوصفها تاريخ اللحظة، وهو بوصفه هذا تأريخ للوجدان في هذه اللحظة، وإيقاف للزمن فيها وجعله وإياها خالدين، ما يجعله شهادة على العصر، وخصوصاً أن النصوص الشعرية المواكبة تعود إلى شعراء عرب يمثلون الوطن العربي في أقطاره جميعها، فهذه النصوص، بوصفها هذا، تمثل وجدان الشعب العربي في هذه اللحظة المصيرية من الزمن، ورؤيته إلى هذه التجربة الفريدة في تاريخه.
يعي الشعراء دور الشعر، فالقصيدة تنحني كالمدى، وتصلّي للشهيد والشهيدة، كما يقول إبراهيم نصر الله: "ينام الشهيد على خيط نور/ على خيط نور تنام الشهيدة/ وبينهما.. قرب وجهيهما/ تنحني كالمدى، وتصلي القصيدة"(ص777).
تتميز القصيدة الناهضة مدى للشهادة لصفاتٍ منها: أولاً جمالية اللغة، أو شعريتها ثانياً، صدورها عن تجربة فريدة، يمكن للمعجم اللغوي الآتي أن يمثلها: لغة جريحة مرة، ثكلى، مذبوحة جملها، ثالثاً، تنطق برؤية كاشفة ثائرة، يمكن للعبارة الثانية أن تدل عليها: دم الحسين بها يجري وجرح علي، رابعاً تؤدي دوراً مضيئاً للدرب، كأنها قنديل حب يسري بالضوء ليكشف ثنائية طرفها الأول لبنان نافورة العسل، وطرفها الثاني ـ عدوان همجي وحشي، يقتل ويدمّر ويهجّر، ويمكن أن نتبنى هذا كله في قول عبد الرزاق عبد الواحد:
يا ليل لبنان، يا نافورة العسل
مرٌّ فمي، مرةٌ مذبوحة جملي
ثكلى، عراقية مطعونة لغتي
دم الحسين بها يجري وجرح علي
لبنان...، حسبي أنني كان لي قلم
يسري بحبك قنديلاً، ولم يزل(1)
في تصوير العدوان الوحشي الهمجي، نقرأ الكثير من النصوص تنتهي، وهي تصوّر حقيقة العدو الوحشية وفظاعة جرائمه بالتأكيد على أن النصر آتٍ، وأن المقاومة تفتح باباً جديداً للنصر:
في نصّ عنوانه: "مسرحية لم تكتمل" للطيفة الحاج، نقرأ، في الفصل الأول، قول بني صهيون لقومه: اقتلوهم، وفي الفصل الثاني قول الجندي الإسرائيلي، قد سمعنا، قد أطعنا، في كفرقاسم ودير ياسين وفي كل مكان من أرض فلسطين، وفي الفصل الثالث، يكمل الجندي قوله: الى قانا لحقنا بهم، وفي الفصل الرابع يرتفع الصوت العربي في الجنوب اللبناني: لم نسكت، لم نستسلم، كنا جميعاً مقاومة... نصنع لنا زمن مخاضٍ جديد يفتح باباً جديداً للنصر.
ويبدو العدوان، في وجه من وجوهه، امتداداً كصلب المسيح وذبح الإمام، وبه يكمل الأقوياء وكربلاء. يقول محمد علي شمس الدين:
"في شهر تموز/ من عام جرحٍ/ وألفين بعد المسيح/ وسبعين مجزرة في القرى/ في طريق الإمام الذبيح/ سجّلوا في دفاتركم ما يلي: أزف الوقت/ واكتملت كربلاء/ مثلما شاءها الأقوياء" (ص212).
هؤلاء الأقوياء الذين يعيدون صلب المسيح وذبح الإمام يحفرون، كما يقول نزيه حسون "للأطفال قبوراً" (ص129)، كأنهم، كما تقول زينب مرعي الضاوي التتار الجدد، الذين يرون أنفسهم أوصياء هذا الزمان، تقول الشاعرة: قال هؤلاء الأوصياء: في بضعة أيام "نزرع في الأرض اليباب/ نفصّل للشرق شعباً مهيضاً/ وللشمس ليلاً مديداً/.. لكن الحق يعلو.. مقاوم أردى الموت بالشهادة/ وبالنصر..".
صانعو النصر هم، إذاً، المقاومون الذين يردون الموت نفسه الذي يمثله التتار الجدد، هؤلاء الذين يردون الموت نفسه هم رجال الله، يقول عمر الفرا "جنوبيون"، كان الله يعرفهم/ وكان الله قائدهم وآمرهم لذا كانوا بكل تواضع رجال الله يوم الفتح في لبنان" (ص98).
غيّر رجال الله، بقيادة القائد الفذ، الزمن العربي المترع بالهزائم، يقول أحمد مطر "كل وقت/ ما عدا لحظة ميلادك هو ظل لنفايات الزمان/.. كل وقتٍ/ قبل أن تلبسه كان رماداً/ كل لون قبل أن تلمسه.. كان سواداً، الأرض قبلك غبار الجهات الأربع اليوم جنوب/ يا جنوبي فمن أين يأتيها الغروب!؟" (ص80).
كل الجهات الجنوب، هتاف أُطلق منذ بدء المقاومة في هذه الأرض التي نفضت  غبار الخيبات والهزائم، فيتجاوز مفهوم الجنوب المفهوم الجغرافي ليصبح دالاً على القضية المركزية في تاريخنا المعاصر، وهي النهضة والمقاومة والتحرير والتنمية..
الجهاد في سبيل هذه القضية مكلف، وكثيرون تخلّوا.. لذا تنكّروا للنصر يخاطبهم أحمد مطر مستهجناً متكرراً مقرراً مفارقة هذا الزمان الكبرى، فيقول: "وهل يزهو بنصر الحرّ/ مهزوم جبان" (ص81).
يخاطب عبد الحافظ شمص هؤلاء بلغة مباشرة، فيقول:
في موطني زمر أمست بلا ذمم
ستورث الذل للقاصي وللداني..
فالرايس تحشرهم، فيلتمان ينذرهم
ليركبوا الموج في ذلٍ وإذعان.
ويمكن، كما يضيف شمص، لرجال الله أن يخلصوا فاقدي الذمم هؤلاء، مورثي شعبهم الذل مما هم فيه، يقول:
ومن قاتل جنود الظلم، قدرته
أن يقتل الحقد في أحشاء ثعبان
فالمعركة إذاً مع جهتين أولاهما التتار الجدد، صالبو المسيح وذابحو الإمام وأتباعهم راكبو الموج في ذل وإذعان، وهؤلاء الذين يشير اليهم الشاعر بـ"الثعبان" يثيرون الحزن، ذلك أن كيد التتار لا يسيل الدمع، وإنما كيد حراس التتار، يقول يحيى برزق:
".. وفي العينين.. تومض كبرياء يثير جلالها هلع التتار/ وما كيد التتار يسيل دمعي/ ولكن كيد حرّاس التتار" (ص140 و141).
إنهم يحزنون لما آل اليه حال "حرّاس التتار"، ولكنهم لا يركنون الى الحزن، إنهم رجال الله يكتبون ما سيكون، ويعلنون بدء الزمان، زمانهم يقول غسان مطر:
"نسينا الذي كان/ها نحن نكتب ما سيكون/ على ضوء أرواحنا نكتب الآن ما سيكون/ ونعلن بدء الزمان" (ص312).
ويعلن بدء الزمان، بقيادة القائد التاريخي الرمز، المطل بطهر النبوة، المؤتمن على الأنفس في الكرب، من النصوص التي تعلن البدء نقرأ:
يقول حمزة البشتاوي: "أيها المكلل بطهر النبوة، والقامات جبال/.. يا صاحب الفوز، فزت بأصوات أبناء الأمة/ ي بغداد والرباط والرياض والقدس وعمان وغزة/ كلماتك، اليوم، هي قصائدنا وصرخاتنا وصواريخنا..، يا سيدي/أنت إمامنا، وليس أمامنا سوى النصر والسلام".
يقول تميم البرغوتي: "ومن آل بيت الرسول يا حسن
من لو وزنت الدنيا بهم وزنوا
جزيت خيراً عن أمة وهنت
فقلت: لا بأس ما بكم وهن
خليفة الله باسمك انتشروا خلقاً جديداً
من بعد ما دفنوا
إنا أعرنا الأمير أنفسنا
وهو عليها في الكرب مؤتمن(ص188).


هوامش ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمد حسين بزي (اعداد) ـ الوعد الصادق، يوميات الحرب السادسة ـ بيروت: دار الأمير ط1 1427 هـ، 2006 م ص 702 ـ 705، معظم النصوص مأخوذة من هذا المصدر، وسنكتفي بذكر رقم الصفحة في المتن.
(2) الأسبوع الأدبي، اتحاد الكتاب العرب (دمشق)، العدد 1052، 2142007/ ص10.
الانتقاد/ العدد1223 ـ 13 تموز/يوليو2007

2007-07-13