ارشيف من : 2005-2008
تصحيح موقف ساركوزي ينقذ مؤتمر باريس من الانهيار
برغم تزاحم التحركات الدبلوماسية والسياسية اقليمياً ودولياً لإيجاد مخارج للأزمة السياسية في لبنان، فإن المعطيات لا تشير إلى حلول تلوح في الأفق، وأن فترة المراوحة ستستمر حتى أيلول المقبل، موعد انطلاق معركة الاستحقاق الرئاسي. وأمكن خلال اليومين الماضيين إنقاذ مؤتمر "سان كلو" الباريسي من الانفراط بعد "تصحيح" الرئاسة الفرنسية للكلام الذي صدر عن الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي، أن حزب الله يقوم "بأعمال إرهابية"، والذي تبعه قرار من الحزب بعدم المشاركة في المؤتمر دون أن يبادر إلى إعلانه فوراً، وأيده في ذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون، قبل أن يدفع هذا القرار إلى ارتفاع وتيرة الاتصالات في محاولة لإنقاذ المؤتمر من الانهيار قبل أن يبدأ، وصولاً إلى صدور بيان الرئاسة الفرنسية الذي جرى فيه التراجع عن كلام ساركوزي.
الأزمة كانت بدأت بالكلام الذي نُسب إلى الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي أثناء استقباله وفداً صهيونياً يوم الأحد الماضي يضم عائلات الأسرى الصهاينة لدى المقاومة الإسلامية، واعتباره أن حزب الله يقوم بأعمال إرهابية، وهو الكلام الذي أكده لاحقاً الناطق باسم الإليزيه في تصريح للصحافيين. هذا الموقف لاقى استغراباً كبيراً واستهجاناً لدى حزب الله، ما دفع قيادته للانعقاد ومناقشة الموقف الفرنسي، حيث طرح التساؤل: كيف يمكن دعوة حزب الله رسمياً الى المشاركة في مؤتمر في باريس وفي الوقت نفسه تطلق هذه المواقف من قبل الرئيس الفرنسي؟ وبعد المناقشة المطولة استقرّ موقف القيادة على اتخاذ قرار بمقاطعة مؤتمر "سان كلو"، وجرى إبلاغ هذا الموقف إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب العماد عون، فكان الرد من قبلهما أنه إذا كان موقف حزب الله عدم المشاركة فإنهما سيتضامنان معه ولن يشاركا أيضاً. هذه المعطيات كانت تصل تباعاً إلى المستويات العليا في الإدارة الفرنسية وإلى وزير الخارجية بيرنار كوشنير وإلى ساركوزي نفسه الذي كان في جولة على دول عدة شمال أفريقيا، وبناءً عليه حصل توضيح فرنسي أولي صدر عن الناطقة باسم الخارجية الفرنسية يؤكد "أن حزب الله قوة سياسية أساسية في لبنان، وهو مدعو على هذا الأساس إلى مؤتمر باريس". لكن قيادة حزب الله وجدت أن هذا البيان التوضيحي غير كافٍ، والمطلوب صدور موقف عن الرئاسة الفرنسية بالتحديد.. ونقل هذا الموقف إلى الرئيس الفرنسي خلال جولته، حيث أقنعه وزير خارجيته كوشنير بإصدار موقف إنقاذاً لمؤتمر "سان كلو"، وهو ما جرى، حيث صدر بيان تلاه الناطق باسم الإليزيه ديفيد مارتينون قال فيه: "إن حزب الله ليس مدرجاً على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، وفرنسيا لا تنوي طلب إدراجه على هذه اللائحة". وتابع: "ان حزب الله لاعب سياسي مهم في لبنان، وهو أحد المكونات الأساسية في الحوار الوطني، وبصفته هذه هو مدعو إلى اللقاءات اللبنانية التي ستعقد في "سان كلو"". وأضاف الناطق باسم الإليزيه: "إن ساركوزي يتمنى أن يصبح حزب الله حزباً سياسياً لبنانياً يشارك في لعبة الديمقراطية البرلمانية اللبنانية بصورة كاملة".
موقف الرئيس الفرنسي الذي جرى تصحيحه كان سبقه موقف للسفير الفرنسي برنار إيمييه في لبنان خلال تكريمه الوداعي في المختارة، حيث أعلن تأييده المطلق لفريق الرابع عشر من شباط وشرعية حكومة فؤاد السنيورة، وهو ما وجه ضربة لمؤتمر الحوار قبل أن يبدأ، ولقي انتقاداً عنيفاً من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي تساءل عما "إذا كان إيميه قد عُيّن رئيساً لما وراء البحار"! لكنه أعلن برغم هذا الموقف أننا ذاهبون الى باريس بإيجابية وانفتاح على الحلول.
"جولة موسى"
وفيما كانت التحضيرات ترتب لمؤتمر باريس كان الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى يقوم بجولة على كل من الرياض ودمشق يومي الأحد والاثنين الماضيين، حيث التقى قادة البلدين، لكنه لم يستطع من خلال هذه الجولة تحقيق اختراقات، لا على صعيد إيجاد انفراج في العلاقة الثنائية التي بقيت متدهورة، ولا في دفع الجانبين الى توافق بشأن إيجاد حل على الساحة اللبنانية، وهو الأمر الذي لا بد منه في سياق أي تسوية للأزمة في لبنان.
وبدا حسب الأوساط المتابعة أن فشل جولة موسى دفعته الى تأجيل عودته الى لبنان التي كانت مرجحة لو نجحت مهمته في السعودية وسوريا. وظهر أن الحل ما زال ينتظر تسوية إقليمية كبرى بين الولايات المتحدة وإيران انطلاقاً من الوضع على الساحة العراقية، وهي تسوية لم تنضج ظروفها أيضاً وتأتي إشارات متناقضة بشأنها. فمن جهة تبدو ادارة بوش محشورة جداً في الكونغرس للإسراع بالانسحاب من العراق، فيما تحشد هذه الإدارة بالمقابل أساطيلها في الخليج، وهي أرسلت حاملة طائرات جديدة اليه مؤخراً في مؤشر الى نية عدوانية تجاه ايران.
"عاصفة بيان المطارنة"
على أن الحدث الأبرز على الساحة المحلية خلال الأيام الأخيرة كان استمرار ردود الفعل على بيان المطارنة الموارنة الذي كان صارخاً في انتقاده الممارسات التي تقوم بها الحكومة اللاشرعية برئاسة فؤاد السنيورة تجاه حقوق المسيحيين، حيث برز عدد من المؤشرات على هذا الصعيد:
أولاً: الهجمة السياسية التي تعرضت لها بكركي من تيار المستقبل والحديث عن "الافتراءات" وما الى ذلك، بعدما كان فترةً طويلة يعتبر بكركي تقف الى جانبه. وهو ما جعله في موقف حرج لا يُحسد عليه. وهذا ما لفت اليه رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية عندما قال إن السنيورة "زعلان".
ثانياً: جرت تعرية الفريق المسيحي المشارك في الحكومة اللاشرعية، حيث ظهر أن هذا الفريق يفرط بحقوق المسيحيين. وفي هذا السياق يُنقل عن البطريرك الماروني نصر الله صفير قوله في مجالسه الخاصة إن الوزراء المسيحيين في الحكومة كأنهم غير موجودين. وترى الأوساط المتابعة أن رئيس الهيئة التنفيذية سمير جعجع لم ينجح في مؤتمره الصحافي الأخير في تبديد هذه النتيجة، بل كرّس المعادلة أنه ملحق بتيار المستقبل.
ثالثاً وهو الأهم: ترى المصادر المتابعة أن بكركي أرادت من خلال انتقاداتها للحكومة اللاشرعية، توجيه رسالة بشأن الاستحقاق الرئاسي، فإذا كانت الصرخة بهذا المستوى في وجه الإخلال بقضايا مثل وضع الإدارات وإلغاء الجمعة العظيمة واتفاقية حقوق الطفل المسلم، فإن بكركي تريد أن تقول من وراء ذلك إنها لن تقبل بأن تتولى هذه الحكومة صلاحيات رئيس الجمهورية إذا حصل الفراغ ولم يُنتخب رئيس جديد للجمهورية. ويبدو أن هذه الرسالة المضمرة من بيان المطارنة الموارنة هي التي أغضبت تيار المستقبل ودفعته لشن حملة عبر وسائل إعلامه المكتوبة والمرئية على بكركي.
وتشير المصادر المتابعة الى أن بكركي ستتشدد أكثر في قضية نصاب الثلثين في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، بعدما رأت بأم العين أداء هذه الحكومة، فما بالك اذا استلمت صلاحيات رئيس الجمهورية؟! الأمر الذي تعتبره بكركي إنهاءً لصيغة لبنان وإدخال البلد في المجهول، وهو ما كانت المعارضة حذرت منه ولا تزال. وهي وإن كانت حسمت خيارها بعدم الاستعجال في خيار الحكومة الثانية حتى حلول أوانها بعد إقدام فريق السلطة على خطيئته بانتخاب الرئيس بأغلبية النصف زائد واحد، فإنها ستتخذ الخيارات الصعبة لمنع انهيار البلد. وهنا عادت الترجيحات بشأن رئاسة الحكومة الثانية لتتحدث عن رئيس ماروني لها لا رئيس سني، ويكون مقر إقامته في قصر بعبدا بعد أن يسلم رئيس الجمهورية مقاليد الحكم الى هذه الحكومة.
لكن الأوساط المتابعة لا تستبعد إمكانية نضوج حلول إقليمية خلال شهرين تنعكس إيجاباً على الأزمة السياسية في لبنان، وهو ما يرجحه رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي لا يزال يشيع أجواءً إيجابية، حيث يؤكد أن الاستحقاق الرئاسي سيجري في موعده وسيكون مفتاح الحل للأزمة. وهو يعطي انطباعات بأن الأمور لا تزال مفتوحة على الحلول، "لأن اللبناني يكابر، لكنه ليس أكبر من لبنان". وفي هذا السياق قال النائب ميشال موسى إن بري بصدد إطلاق مبادرة جديدة للحل بعد انتهاء مؤتمر "سان كلو".
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد1223 ـ 13 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018