ارشيف من : 2005-2008

جعجع يفشل في إزالة تداعيات خطايا الحكومة بحقّ المسيحيين

جعجع يفشل في إزالة تداعيات خطايا الحكومة بحقّ المسيحيين

في ظلّ مناخات الهدوء وفسحة الأمل، المرافقة لخطّ سير التحضيرات المرتقبة للملتقى اللبناني للحوار في "سان كلو" في فرنسا، أطلّ "أميرال السيادة الموصى بها أميركياً"، السفير جيفري فيلتمان تلفزيونياً، ليسيء عن قصد، إلى جوهر المبادرة الفرنسية الداعية إلى هذا الملتقى الذي يعوّل عليه اللبنانيون كثيراً، لعلّه يخرجهم من أزمة تسبّبت بها قوى 14 شباط/ فبراير بإيعاز أميركي، لرفضها مبدأ الشراكة الحقيقية في إدارة البلاد.
ففيما تلحّ فرنسا لإنجاح هذا الملتقى الحواري على أراضيها ومساعدة الفرقاء اللبنانيين على تشكيل حكومة وحدة وطنية، كما عبّر المتحدّث باسم قصر الإليزيه دافيد مارتينون، سعى فيلتمان إلى إجهاض هذه المحاولة عبر تصنيف اللبنانيين بين عميل ووطني، ورسم خريطة السياسة العليا للدولة وفق شعارات مزيّفة دأب على إطلاقها والتبجّح بها عن الديموقراطية والحرّيّة والسيادة والاستقلال.
فمن شاهد فيلتمان يتحدّث كما هو دأبه في كلّ المرّات التي تدخّل فيها في شؤون اللبنانيين كما لم يفعل أيّ سفير دولة أخرى أو أيّ مفوّض سامٍ من قبل، اعتراه الوجوم من جرّاء سكوت حكومة فؤاد السنيورة عن سلوكه المريب. فلو كانت حكومة واعية وسيادية كما تدّعي، لوضعت حدّاً لتصرّفاته وطلبت منه التزام الأصول الدبلوماسية المتبعة بين دولتين تتمتّعان بالسيادة والقرار الحرّ.
فكلام فيلتمان هو خرق واضح وفاضح لاتفاقية فيينا الموقّعة في العام 1960 والتي تحدّد عمل سفير أيّ دولة لدى دولة أخرى، وإذا ما خرج عن القواعد والأعراف الدبلوماسية وجب اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، ووجب طرده والطلب من دولته تغييره.
هذا في الأساس، ولكن إذا كانت حكومة السنيورة قد ضربت بالدستور وبكلّ القوانين اللبنانية عُرض الحائط، وجرّدتها من مناعتها وحصانتها وقوّتها القانونية الفاعلة، وتلاعبت بها كما يحلو لها بحسب سياستها، فإنّها لن تسأل عن انتهاك سفير أجنبي لسيادة لبنان ولا سيّما إذا كان هذا السفير بمقياس فيلتمان الذي يحرّك هذه الحكومة ورئيسها بحسب أهوائه وبما يتلاءم وسياسته المعروفة بالمثل القائل "فرّق تسد".
ويرى نائب معارض أنّ ظهور فيلتمان بهذا الشكل الفجّ، وبهذه التصريحات والكلمات الوقحة، هو إساءة لقوى 14 شباط/ فبراير التي يديرها كالخاتم في إصبعه، وإلغاء لكلّ الشعارات التي ترفعها عن حرّيّة خيارها السياسي وقراراتها، ويؤكّد التزامها الكلّي بتعليماته، وخصوصاً أنّها لم تُصدر استنكاراً واحداً لما قاله، ولم تعترض عليه، ولم تتجرّأ على رفع عينيها في وجه أسلوبه الرخيص.
وهذه ليست المرّة الأولى التي يقف فيها هذا السفير الأميركي حجر عثرة أمام توافق اللبنانيين، إذ سبق له أن عطّل الكثير من المبادرات واللقاءات، وأقفل أبواب التفاهم بإشارة من إبهامه لتلامذته "الشباطيين" ولا سيّما رئيس الهيئة التنفيذية في "القوّات اللبنانية" سمير جعجع.
فهو الذي نفّس مبادرة الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، وهو الذي اعترض على تحرّكات الموفد الفرنسي جان كلود كوسران في شهر حزيران/ يوليو 2007، وهو صاحب الإنجازات العريقة والطويلة في تشتيت اللبنانيين، وهو المجهّز دائماً بحزام الخيبات لتفجير أيّة محاولة لجمع اللبنانيين تحت جناح حكومة وحدة وطنية.
المطارنة يزعزعون جعجع
وبموازاة ذلك، تعرّض الفريق المسيحي المشارك في حكومة السنيورة غير الميثاقية، ولا سيّما منه "القوّات اللبنانية"، لاهتزاز قوي، إثر صدور بيان مجلس المطارنة الموارنة الشهري الذي أبدى اعتراضاً كبيراً على قرارات اتخذتها الحكومة الفاقدة أساساً للشرعية، ومنها إلغاء عطلة يوم الجمعة العظيمة، وبيع الأراضي لغير اللبنانيين، والفارق الكبير في عداد قوى الأمن الداخلي لمصلحة المسلمين، والخلل في التوازن الطائفي، وهو ما اختصره المطران بشارة الراعي بـ"أسلمة لبنان"!.
وهذا ما دفع بأكثر المتضرّرين من هزّة المطارنة، سمير جعجع، إلى القيام بردّ فعل مبالغ، دفاعاً عن الحكومة، فعقد مؤتمراً صحفياً زاد فيه من منسوب "الغضب الماروني" عليه. فهو وإن حاول تصوير نفسه حريصاً على حقوق الموارنة، فإنما انطلق لإخفاء الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها ممثّله في الحكومة الوزير غير الشرعي جو سركيس وشريكته نايلة معوض.
كما أنّ جعجع سعى إلى ترميم تداعيات ومضاعفات هذا البيان الذي يُسقط ما تبقّى من حصانة مسيحية معطاة لحكومة السنيورة التي فوجئت بمن يكبح انسياقها نحو الخطأ. ومرد المفاجأة أنّ مجلس المطارنة الموارنة يعتبر "خطّاً دفاعياً" عن هذه الحكومة، ولكنّه عندما وجد حقوق المسيحيين تُسلب وعلى مرأى من ممثّليه انتفض واعترض، وهذا ما قد يفسر على أنّه اعتراض ضمني على تبعية الوزراء المسيحيين لتيّار "المستقبل"، والتزامهم بما يطلب منهم تنفيذه ولو على حساب من يفترض بهم تمثيلهم ضمن مجلس الوزراء.
ويرى نائب معارض أنّ جعجع تلطّى حول عظة البطريرك بطرس صفير يوم الأحد الماضي ليدعم كلامه الدفاعي، بينما كان صفير صريحاً عندما قال إنّه جرى استغلال بيان المطارنة سياسياً، ولكنّه لم يقل إنّ هذا البيان خاطئ أو تضمّن معلومات مغلوطة، ولم يتراجع عمّا ورد في البيان المذكور.
لقد أراد جعجع الخروج من دفاعه عمّا تبقى من حكومة السنيورة وأفعالها منتصراً، وماسحاً آثار خطاياها الممهورة بموافقة ممثّله وشركائه المسيحيين فيها، فإذا بكلامه يرتدّ عليه سلباً ويضعفه مسيحياً، وهذا ما لم يكن في حسبانه على الإطلاق.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد1223 ـ 13 تموز/يوليو2007

2007-07-13