ارشيف من : 2005-2008
أوراق تموز على مدى عام
1 - لست جباناً
قلت لأصدقائي: أنتصر أو أنتحر..
قال الأول: أنت جبان، لن تنتحر
قال آخر: إذاً لن تنتحر
قلت: أنت قلت، لن أنتحر، ليس بسبب جبني، إنما لأنني سوف أنتصر.
وأمضيت ثلاثة وثلاثين يوماً.. وانتصرت.
انتابتني أحزان كثيرة، طلبت من عينيّ أن يبخلا عليّ بماء الخدين. فعلاً. استعصيت على البكاء، كتمت آلاماً باهظة، تعرفت الى صبر لا أطيقه. احتملت قمعاً لعواطفي ومشاعري، انتزعت كل ضعفي، رميته كحثالة، صرت قوياً. انتقلت إلى أماكن خطرة. فوّضت نفسي أعمالاً شجاعة. كدت أن أكون باسلاً.
كل ذلك، ضد طبيعتي، ضد هشاشتي الداخلية، ضد ضعفي الحميم، ضد وجعي المترع بالفجائع، تحوَّلت في 12 تموز في العام 2006، إلى نصري آخر، كأنني تعمّدت للتوّ شجاعاً، يراهن بحياته كلها، من أجل انتصار.
ثلاثة وثلاثون يوماً من الآلام، ولم تدمع عيناي، عاملت قلبي بتجاهل، كان عقلي في مطرح آخر، بعيداً جداً عن قلبي.
في الرابع عشر من آب، ذرفت دمعتين، واحدة للفرح، وأخرى لأحزان عامرة بالشهداء والمهجرين والأمهات والملاجئ.
في 14 آب كتبت بعيني: افرحي يا أحزان، لم تكوني سدىً، زهرة الجنوب، مدينة جميلة لأحزان انتصرت على الخراب والدمار.
2 - مشي على الماء
ـ حتى أنتِ يا "بروتوس"؟
هكذا قلت لها، زوجتي، صبيحة الخامس والعشرين من أيار، سألتني: لِمَ تتهمني يا من أنت دون القيصر؟
قلت: لأنك ما كنت تصدقينني، عندما كنت أكتب عن التحرير.
اعترفت "بروتوس"، زوجتي، بأنني على صواب، كان لي إيمان يضيء سنواتي، ويعطي معنى لحياتي. من دون فلسطين أصير بلا هوية. فلسطيني، هي بوابتي للانتماء الانساني. متعصب؟؟؟ ربما، وأبرره: "تعصب" العطاء.
عندما خرجت من البيت إلى جريدة "السفير"، حيث كنت أتولى مسؤولية نيابة رئاسة التحرير، شعرت أنني أمشي على الهواء. رجلاي من غيم، الأرض من هواء، رأسي من سماء، كأنني تحوّلت إلى ملاك.
أهكذا، يجعل الفرح الناس، يرقصون في الهواء. يخف حملهم. تخف أعضاؤهم، تستسلم الجاذبية لشهقة الروح. نعم، كنت أمشي على الهواء. ولم أكن مسيحاً، أظنه مشى على وجه الماء في بحيرة طبرية الفلسطينية كما جاء في الإنجيل المقدس، لأنه كان فلسطينياً، ينقله إيمانه إلى مراتع الجليل وتلاميذه الذين عبروا قبله بقارب من خشب.
.. ولم أكن مجنوناً.
قيل: عش كثير بتشوف كثير.
"أنا عشت ثلاثة وستين عاماً، ورأيت أعظم ما في الدنيا: انتصار التحرير (25 أيار) وانتصار الصمود (تموز ـ آب 2006) أنا رجل محظوظ جداً، لأنني عاصرت عصر المقاومة وفرحت بها.
3 - زمنان متناقضان
ـ كم عمرك الآن؟
ـ انتصاران وأمامي أعمار اضافية.
ـ أما زلت مؤمناً بمستقبل المقاومة؟
ـ أراني سأعيش طويلاً وستحيا أكثر مني.
ـ هذا شعر!
ـ سأبرهن:
هذا موجز حوارات جرت خلال عام، بيني وبين عديد من المشككين واليائسين والراغبين بتفاؤل يستحيل عليهم تصديقه، ولبنان ينحدر إلى انقساماته، والمنطقة تحتدم ما بين أياد تسالم وأياد تقاوم.
حجتي بسيطة: بدأنا عصراً جديداً. قبل التحرير، كان زمن، بعده صار زمن آخر، الزمن الماضي، غارت آلامه وتضحياته في انكسارات لا شفاء منها، روزنامة ذلك الزمن منذورة للهزائم، والشهداء الذين حزنوا كثيراً عندما رأوا من خلال دمهم أنهم مؤجّلون، ويوم البعث الوطني موؤود في جراح لن تفرج عن دم منتصر، زمن ماضٍ، بقامة قرن، قدمت فيه الأمة الكثير، وما فازت.
أما بعد 25 أيار، فزمن آخر: عدو طاعن في القوة، يهرول الى خطوطه الخلفية، يقفل عليه الأبواب، لا يريد أن يتذكر لبنان. لبنان الذي يشبه قبضة تحمل حجراً يطلق على رأس رئيس وزراء فرنسا في فلسطين، لأنه تجرأ على وصف المقاومة اللبنانية بالإرهاب، زمن نصنعه، لا زمن يعبر علينا ويهرس أحلامنا، زمن قرر فيه أناس، أن يقاتلوا الاحتلال. ينهلون من إيمان وعقيدة، يتقربون بعزيمة النفس الأخير، وعطاء القطرات القانية، مزوّدين بقلم يدقق بين الصحيح والخطأ، يصوّب ولا يصيب الا العدو، برغم اغراءات القتال السهل، في أماكن الاختناق السياسي والبوار الطائفي.
زمن لبناني، فلسطيني، عربي، خاص، يختلف عن زمن جيوش تقرع أسلحتها احتفاءً بسلطة تتربع مؤبداً، يختلف عن زمن أنظمة تزين صدرها أوسمة بلا معارك، ونجوم بلا طلقات، زمن يعاهد فيه رجال يصدقون مع أهدافهم حتى الثمالة. زمن من نسل قيمي، يفرض على السياسة خلقيته، وعلى الناس تواضعه، وكل المقاتلين مجد العطاء بصمت الشهادة تتلى بالشفتين كما يتلو الشهيد دمه.
زمن الثقافة الجديدة، تصنع غدها من مستقبلها، زمن يعصى على التراجع، الماضي مضى، فلنصنع الآتي، كي لا نكرر الليل العربي كل صباح.
كنت مؤمناً أن جديداً بدأ، وأنه لن يتوقف، سيتدفق حتى تقرع الحرية أجراس القدس: حي على حق الوطن.
ولأن هذا إيماني، كان كتابي، "حوار الحفاة والعقارب" (دفاعاً عن المقاومة) شهادة علمية، أثبتت فيها بالدلائل التاريخية والمقارنات التجريبية، أن خيار المقاومة هو مستقبل الولادات العربية الجميلة، وأن اسرائيل بدأت تستشعر أن "المقاومة البناءة" تهدد وجودها الهدام.
4 - عالم آخر
لكن لبنان، ببابل سياساته، وتجارة طوائفياته، وجدارة الجدل البيزنطي، تفوّق في تكتيل قواه، للوقوف أمام الانتصار، فريق لبناني ساءه أن ننتصر على اسرائيل، فأنفق جهده ليتبنى الخسارة، كان هذا الفريق من الجرأة، بحيث اجتهد في ممارسة الحرام وتطويبه حلالاً.
كانت دماء تقبل الأرض، وتطعم السماء ملائكتها، عندما التقت الأفواه والجباه، في السفارة الاميركية، لتناول الطعام وتوزيعه سياسة في ما بعد، وعلى المائدة، قائدة أركان العدو، غونداليسا رايس.
كانت المقاومة تفتح جبهة بنت جبيل، وتقفل تابوت وادي الحجير على جنود العدو، عندما فتحت الأبواب والأحضان، لاستقبال طوني بلير، وطبع القبلات لغوندا وتوزيع النصائح للمبعوثين الاميركيين، حاملي شروط المعصية القومية: الاستسلام بالتقسيط.
كانت فئات لبنانية، على امتداد الألم اللبناني، تفتح أبوابها لاحتضان النازحين، واستيعاب ما يضاف منهم، عندما قيل إن بعض اللبنانيين، كانوا يصرون على عدم ايقاف النار على شعبهم، كي تركع المقاومة على أقدامها طائعة ذليلة.
كانت جراح الأمة تنهض للدفاع الشرس والملحمي، عن الجنوب والشمال والقدس المنتشرة في مساجد وكنائس هذا العالم، عندما أضاف هذا الفريق اللبناني ـ الى سجله السياسي ـ مطلب البند السابع إلا ربعاً، لإلزام المقاومة بالخسارة.
وخرجت الاتهامات الى العلن: المقاومة خرّبت لبنان، المقاومة نفذت أمراً سورياً إيرانياً. هذه مقاومة للإيجار، وبنادقها للارتزاق، لا مقدس بعد اليوم، فلنطأ المقاومة ورموزها وشهداءها، فلا مقدس، الا الكلام المدنس الذي ينقل من الكتاب الأميركي.
لم يبق ما يضيفونه الى تبني الخسارة، إلا اعتماد سياسة إعدام المقاومة في المحافل الدولية التي لا تحتفل إلا بإسرائيل، ولا تحفل إلا بمصالحها.
لبنان، بفريق الهزيمة فيه، بفريق بولتون كومباني دوت كوم، ساءه أن تنتصر المقاومة، فقرر نحرها، بكل الغباء الذي يتساوى مع فقدانه لحصانته الوطنية والقومية.
كان لبنان، عالم آخر من عوالم الانحطاط المعاصر.
5 ـ المقصلة الطائفية
ولا مرة توقعت أن يصل التمذهب الى حدود تأصيل الكراهية التاريخية، في جسد الحاضر، الانتصار الذي انتصرت له جماهير الأمة وشعوب العالم العربي والإسلامي، الانتصار الذي رفع هامة الشهداء الى سماء العروبة المتمثلة بنعيق الهزائم والسياسات المتواطئة مع الخسائر، المقاومة المؤمنة بالله إله المسلمين جميعاً، المحققة بإسلاميتها انتصاراً وطنياً وقومياً غير مسبوق، سوف تجرد من إيمانها، وتصنف في مذهب، تستعدى عليه مذاهب الدين الواحد.
وبين انتصار وعشية انحدار الى سفاهة التجزئة، بدأت حرب التشيع ثم حرب التفريس، كتهمتين، لتفكيك روحية الانتصار، وهكذا تجندت أجهزة الإدارة الاميركية لوضع خارطة طريق جديدة، لمحاربة مشروع التشيع والهيمنة الفارسية على المنطقة العربية.
وساد الكذب الساحة كلها.
ضمت الصفوف الزاحفة، اميركا، اسرائيل، بعض أوروبا، أنظمة الهزيمة العربية، فتاوى، طوائف، مذاهب، مرجعيات، كانوا بابل السياسات، جمعهم الأميركي، ليشنوا حربهم الصليبية الجديدة باسم الإسلام، ضد المقاومة وايران وما يمت اليهما بصلة.
6 ـ حرب المئة عام مرة أخرى
هذه المرة، الحرب ستأخذ بعداً آخر.
المقاومة، تقود معركة التحرر. الأنظمة تقود معركة التخلي.
أميركا اختارت فلسفة الدماء وعقيدة الدمار، وإسرائيل تعلق مستقبلها المتضائل، على الخيانات العربية البائدة.
من يَعِشْ يَرَ.
نصري الصايغ
الانتقاد/ العدد1223 ـ 13 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018