ارشيف من : 2005-2008

الإطار الاستراتيجي لعدوان تموز : لن تنجح السياسة حيث فشلت القوة

الإطار الاستراتيجي لعدوان تموز : لن تنجح السياسة حيث فشلت القوة

هل عدوان تموز حرب مقطوعة الصلة عما قبلها وعما بعدها، ما يجعل منها فعلاً منجزاً في الزمان والمكان معاً، أم أنها مجرد حلقة في سياق تاريخي متواصل ـ على الأقل ـ منذ قيام الكيان الاسرائيلي في المنطقة؟
وهل هذه الحرب ذات سياق يتصل بطبيعة الصراع اللبناني ـ الإسرائيلي، أم أنها أعمق من ذلك بكثير، وتتصل بالتالي بالمحصلة العامة للصراعات المحتدمة في المنطقة، وخصوصاً تلك التي تقوم آلة الحرب الأميركية لإعادة صياغة المنطقة بما ينسجم ومشروعها الاستعماري الجديد لها؟
إن قراءة معمقة لحرب تموز ونتائجها الخاصة والعامة معاً تقتضي في نظرنا أخذ جملة من الوقائع والحقائق بعين الاعتبار، أبرزها:
أولاً: إن هذه الحرب ليست مقطوعة الصلة عما قبلها ولا عما بعدها، بل هي تندرج بعمق في سياق المسعى التاريخي للغرب عموماً وللولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي تحديداً، لتطويع إرادة شعوب هذه المنطقة نهائياً من خلال ضرب كل امكانات المقاومة فيها، وكل امكانات الحياة الفعلية والخاصة، وتحويلها إلى مجرد أداة طيعة وعجينة رخوة تسهل عملية إعادة تشكيلها وفق الصورة والموقع والدور المطلوب أميركياً وإسرائيلياً، وهي، على القطع صورة العبد الملحق بسيده. بهذا المعنى فإن عدوان تموز هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الصراع في المنطقة، وجزء من روح وحركة المقاومة والممانعة في المنطقة.
وبهذا المنطق لا أحد يتوقع أن تكون حرب تموز هي نهاية المطاف، بل هي مرحلة في مسار تاريخي لن يتوقف إلا بهزيمة العدو الغاصب نفسه نهائياً.
ثانياً: إن حرب تموز لا يمكن فصلها عن صراع الخيارات في المنطقة، وهي خيارات تتراوح جدياً بين اثنين: خيار التسوية وخيار المقاومة.
وما تجدر ملاحظته هنا أنه كان مفهوماً الجمع سياسياً بين خيار الدبلوماسية وخيار القوة، لأن السياسة بطبيعتها لا تستغني عن الدبلوماسية، وليست الحرب في نظرها إلا تعبيرا عن انسداد الأفق وموت السياسة نفسها. لكن ما لا يمكن فهمه هو تحول الدبلوماسية إلى هدف بحد ذاته، وتحويل خيار التسوية إلى خيار وحيد، ووضع خيار المقاومة ليس جانباً فحسب، وإنما تحويله إلى خصم.
بهذا المعنى لا يصبح من معنى أو وظيفة للخيار الدبلوماسي إلا توفير الغطاء لقرار مضمر بالاستسلام والالتحاق نهائياً بالمشروع الأميركي ـ الاسرائيلي، وإلا فهل من تسوية يمكن حدوثها بين القوي والضعيف أو بين الذئب والحمل!
خلاصة القول إن المنطقة باتت في الحقيقة مفروزة بين محورين: محور المقاومة والممانعة، ومحور أعدائها وخصومها.. وهذا موضوعياً ومصلحياً يضم جملة من الدول العربية إلى جانب الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة. وأنظمة التسوية هذه حاولت جاهدة صياغة منظومة من القناعة لتبرير تخليها عن خيار المقاومة، لعل أبرزها تبني أسطورة أن الكيان الإسرائيلي لا يُقهر، وأن واشنطن لا يمكن الوقوف في مواجهتها، وأن لا خيار إلا الاعتراف بالكيان الإسرائيلي والتحاور معه على أمل الحصول على شيء. وهنا ثمة منطق سياسي حاولت هذه الأنظمة أن تؤسس مشروعيتها الكاملة عليه.
ثالثاً: إن هذه الحرب لا يمكن فصلها عن مسار المأزق العام للمشروع الأميركي ـ الصهيوني ـ التسووي في المنطقة، هذا المأزق الذي كان يتخذ خطاً بيانياً متصاعداً بدءاً من العراق ومروراً بأفغانستان وفلسطين، وليس انتهاءً بالصومال.
لقد كان مطلوباً من هذه الحرب أن تعيد التوازن إلى هذا المشروع من خلال إحداث قطيعة ـ ولو ظرفية ـ مع مسار التخبط لمصلحة وقفه وإعادة تحويله باتجاه ايجابي.
رابعاً: لا يمكن عزل هذه الحرب عن التموضع الاستراتيجي الذي اتخذته المقاومة في لبنان، وهو يتموضع يتخذ أبعاداً داخلية وإقليمية. فالمقاومة بفعل انجازاتها والصورة الرمزية المكثفة التي باتت تحتلها في الوعي والوجدان العربي والإسلامي، فاض موقفها على مساحة لبنان الجغرافي لتشمل المنطقة بأسرها.
خامساً: إن هذه الحرب لا يمكن عزلها عن الاستراتيجية الأميركية الخاصة بلبنان، التي عبّر عنها القرار 1559 خير تعبير. فهذا القرار كما هو معروف رسم خريطة الطريق المطلوبة لنقل لبنان من خيار المقاومة إلى خيار المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة، الذي يتخذ لنفسه اسماً رمزياً هو خيار التسوية.
وعلى نحو أدق نقول إن القرار 1559 حدد خريطة الطريق لحسم التناقض والتنافس والتجاذب بين خياري المقاومة والتسوية لمصلحة خيار التسوية. لقد شكل الوجود السوري في لبنان ضابط التوازن الدقيق بين هذين الخيارين، وضمان تعايشهما الحساس والصعب والمعقد، لذا كان طبيعياً للقضاء على إمكان التعايش والتساكن على صعوبته بين الخيارين في لبنان، أن ينص القرار 1559 على الانسحاب السوري، ليسهل بعدها إحداث خلل في التوازن بين الخيارين لمصلحة خيار التسوية.
وفي هذا الإطار شكل مقتل الرئيس الحريري المدخل الضروري لإحداث هذا الخلل، والتمهيد لعملية تدويل واسعة للوضع اللبناني، بحيث تشكل عملية التدويل هذه إفقاداً لعملية التوازن لمصلحة تمكين خيار التسوية والاستسلام للكيان الإسرائيلي أن يشق طريقه بنجاح. وكان طبيعياً أن يكون الممر الإلزامي لإنجاز هذا الهدف هو الإجهاز على سلاح المقاومة اللبنانية متمثلة بحزب الله، وعلى السلاح الفلسطيني بما يشكله من ترميز مكثف لحق الفلسطينيين بالعودة.
في هذا السياق جاء عدوان تموز واضعاً لنفسه هدفاً استراتيجياً هو فرض تطبيق القرار 1559 عبر نزع سلاح حزب الله بالقوة. وبهذا المعنى لم يكن العدو الإسرائيلي إلا الأداة التنفيذية الدولية لتطبيق هذا القرار. وما لم يكن متوقعاً أو في الحسبان هو فشل هذا العدوان وانتصار المقاومة، ما أوقع في أيدي الجميع، من دون أن يعني ذلك التخلي عن إنجاز هذا الهدف، خصوصاً من قبل واشنطن والكيان الإسرائيلي وحلفائهما في لبنان والمنطقة.
أما الصلة بالشق السياسي الداخلي فقد عبر عنها القرار 1559 بإشارته إلى مقام رئاسة الجمهورية، هذه الإشارة التي عنت منذ ذلك الوقت أنه لا بد من عمل الفريق الأميركي في لبنان للإمساك بموقع الرئاسة بغية إحداث عملية انقلاب كامل في مؤسسات الحكم، تسمح بتقنين عملية الانقلاب على خيار المقاومة وتدويل الوضع اللبناني ونقل لبنان إلى الخيار الأميركي.
في هذا السياق أخذنا نشهد عملية عزل دولية وإقليمية وعربية شبه عامة لموقع الرئاسة، كما أخذنا نشهد محاولات لإسقاط هذا الموقع بالقوة.. لكن ثبات رئيس الجمهورية في موقعه والحماية السياسية التي وفرتها له المعارضة، أفشلت هذه المحاولات.
سادساً: ما تقدم يشكل المسار العام لعدوان تموز بكل أبعاده وأهدافه، ولذا كان طبيعياً أن تشكل عملية دحر العدوان وإفشاله وانتصار المقاومة انتكاسة كبيرة ونوعية على أكثر من صعيد، أبرزها:
ـ فشل الأميركي في إعادة التوازن إلى مشروعه المتخبط في المنطقة.
ـ تعمق كل من المأزقين الأميركي والإسرائيلي، وتمثل بفقدانهما ما يعرف بالقدرة الاستراتيجية وحاجتهما إلى مدة لا تقل عن ثلاث سنوات لاستردادها.
ـ فشل محاولات أخذ لبنان إلى الموقع الأميركي، وتعمق مأزق فريق واشنطن على أكثر من صعيد.
ـ اهتزاز منظومة خيار التسوية التي بدى أنها فقدت مشروعيتها الشعبية، وباتت مكشوفة أمام شعوبها.
كل هذه الإنجازات وسواها دفعت واشنطن إلى التراجع خطوة إلى الوراء لتندفع في تطبيق خطة بديلة قوامها النقاط الرئيسة التالية:
أ ـ إحداث تحوّل في مواقع الصراع، فبدلاً من أن يكون بين محور المقاومة ومحور الاستعمار الأميركي ـ الصهيوني الجديد للمنطقة، يصبح صراعاً داخل كل بلد على حدة، أو بين مجموعة بلدان وبلدان أخرى. ومفتاح ذلك هو الصراعات المذهبية التي من شأنها أن تندلع مواجهات داخل كل قطر عربي أو إسلامي، وبين مجموعة دول ودول أخرى.
ب ـ في هذا السياق جرى العمل على تشويه حقيقة الصراع، فبدلاً من أن يكون صراعاً بين مقاومة واحتلال أو مقاومة واستعمار أو بين خيار المقاومة وخيار الاستسلام، وبدلاً من أن تكون طبيعة الصراع طبيعة سياسية، فليكن الصراع دينياً أو مذهبياً، خصوصاً بين السنة والشيعة.
ج ـ إن جوهر هذه الخطة يستهدف الأمور الرئيسية التالية:
ـ شراء الوقت لإعادة ترميم القدرات الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة.
ـ حماية الكيان الإسرائيلي من ثمن الفشل المحتوم في العراق.
ـ حماية واشنطن لحلفائها حيث أمكن أيضاً من مغبة الفشل في العراق، والعجز الأميركي ـ الإسرائيلي الحالي.
وفي هذا الإطار يمكن وضع مجموع التطورات الحاصلة في لبنان على الصعيدين السياسي والأمني، فما يهم واشنطن بالدرجة الأولى هو تقديم كل أشكال الدعم المطلوب لحماية وجود الكيان الإسرائيلي، وذلك من خلال شراء الوقت اللازم له لترميم قدراته الردعية والقتالية، واستعادة زمام المبادرة، ما يتطلب:
1 ـ إيجاد البيئة الملائمة التي توفر عملية إرباك وإنهاك واستنزاف لقوى المقاومة، ومنع أي مسعى للتوصل إلى تسويات سياسية، ودفع كل حلفائها في المنطقة للعمل بهذا الاتجاه.
من هنا قد يكون من الصعب تصور إمكان أن تسهّل واشنطن أي تسوية في لبنان، لأن هدفها المركزي كان ولا يزال هو التخلص من المقاومة وسلاحها خدمة لأمن الكيان الإسرائيلي ولمنظومة خيار الإذعان في لبنان والمنطقة، ولوأد روح المقاومة قبلها أيضاً. من هنا فكل ما من شأنه أن لا يوصل إلى هذا الهدف ستقف واشنطن في وجهه، وكل ما من شأنه أن يوصل اليه ستعمل له بقوة.
الصراع استراتيجي بكل ما في الكلمة من معنى، وإذا كانت المقاومة ومن معها قد ربحا الفصل العسكري من المواجهة، فلا شك في أن ربح الفصل السياسي وإن كان أكثر تعقيداً، هو آتٍ لا محالة.. هكذا يقول منطق التاريخ، ومنطق الصراع بين الحق والباطل.
مصطفى الحاج علي
الانتقاد/ العدد1223 ـ 13 تموز/يوليو2007

2007-07-12