ارشيف من : 2005-2008
أفدح من الحرب "اليوم التالي" لوقفها
بقلم : د. عصام نعمان
هل تشن أميركا الحرب على إيران؟ وهل تشن اسرائيل الحرب على سوريا؟
سؤالان مطروحان في مواقع صنع القرار وأروقة السياسة ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام. والأجوبة المتاحة كثيرة، متعددة ومتفاوتة في التقدير أو التخمين.
بعضها يميل، بصورة عامة، إلى الظن بأن جورج بوش، ومن ورائه نائبه ديك تشيني بقايا المحافظين الجدد، يميل إلى شن الحرب على إيران لأسباب عدّة أبرزها تكامل الجمهورية الإسلامية كقوة إقليمية مركزية، وخطرها الماثل على مصالح أميركا النفطية وعلى أمن إسرائيل، ناهيك عن خطرها الصاعق بعد اكتمال صناعتها النووية الحربية.
البعض الآخر يميل، بصورة قاطعة، إلى استبعاد الحرب بسبب "اليوم التالي"، ما اليوم التالي؟ إنه مجموعة المخاطر والكوارث والتحديات التي تنشأ عن الحرب عقب وقفها. والحرب النظامية قد تستغرق أياماً أو أسابيع أو أشهراً، لكنها سرعان ما تستولد، فور وقفها، ردود فعل متعددة ومتشعبة ومتصاعدة ترتقي بمعدلات متسارعة إلى مستويات عالية من الصراعات والعمليات القتالية والفدائية الواسعة والمؤثرة. وماذا تكون النتيجة؟ يتحول الطرف المنتصر في الحرب طرفاً مستنزفاً، نازفاً، ومهزوماً بجميع المعايير، أليست هذه حال أميركا اليوم في العراق؟
عقدة "اليوم التالي" تستحوذ على عقل بوش وفريقه، ولعلها العامل الأول في لجمه عن شن الحرب على إيران. فالحرب النظامية في التاريخ المعاصر أضحت وبالاً على من يتعهدها ويشنها ويستمر فيها.
ليس من الغلو القول إن الحرب النظامية أصبحت مكروهة ومهجورة مذ دخلت الشعوب على خط الصراع، فالحروب النظامية كانت مجزية طالما أطرافها دول لها جيوش وقوات مضبوطة ومنضبطة تقاتل وفق قواعد ومعايير متفق عليها ومجرّبة في حروب سالفة. لكن مع دخول الشعوب حمأة الصراعات من خلال تنظيمات المقاومة الأهلية الميدانية والمدنية، تغيّرت الظروف والمعطيات والنتائج. فحروب الشعب أصبحت أطول وأوسع وأخطر من الحروب النظامية، وآثارها المادية والسياسية أفدح وأبعد مدى.
في جميع حروب الشعب، الصغيرة منها والكبيرة، خسرت الولايات المتحدة، خسرت في كوبا وفيتنام وكمبوديا ولبنان والصومال، وها هي تخسر في العراق. فهل تجرّب حظها في ايران؟
ما ينطبق على أميركا ينطبق على إسرائيل، كسبت إسرائيل جميع حروبها النظامية ضد العرب، لكنها خسرت في نهاية المطاف حربها النظامية ضد لبنان العام 1982، وخسرت حربها النظامية مع المقاومة اللبنانية التي امتدت من 1983 لغاية 2000 ثم خسرت حربها النظامية ضد المقاومة ولبنان العام 2006. وليس من الغلو القول إن اسرائيل عجزت عن دحر المقاومة الفلسطينية منذ اندلاع الانتفاضة الأولى العام 2000 ولغاية الوقت الحاضر.
هل تعود أميركا الى اعتماد الحرب النظامية مع ايران، وتعود اسرائيل الى اعتمادها مع سوريا؟
يبدو أن أميركا، كما إسرائيل، استفادت من دروس حروبها النظامية الفاشلة وأجرت تعديلات جذرية في وسائل الحرب والغايات القصوى المرتجاة منها. ففي حرب تخليص الكويت من نظام صدام حسين العام 1991، شنت اميركا حرباً جوية وصاروخية صاعقة على العراق دامت نحو أربعين يوماً، استهدفت خلالها بنية البلد التحتية كلها من مصانع ومعامل وجسور وطرقات ومبانٍٍ وجامعات ومؤسسات تقنية وحتى مستشفيات ومراكز إسعاف، النتيجة؟ دمرت العراق إنساناً وعمراناً، وأعادته نحو عشرين سنة الى الوراء.
الأسلوب نفسه اعتمدته أميركا مع العراق في حرب العام 2003، فقضت على ما تبقى من بنيته التحتية وما كان قد أعاد ترميمها أو إنشاءها. وقلدتها اسرائيل في حربها على لبنان العام الماضي فدمرت أجزاء مهمة من بنيته التحتية من شماله الى جنوبه، بل دمرت بلدات وقرى عن بكرة أبيها.
هكذا تبدّل أسلوب الحرب الأميركية وغايتها. لم يعد كسر إرادة العدو لحمله على الاستسلام هو الغاية، كما في الحروب الكلاسيكية لغاية النصف الأول من القرن العشرين، بل بات تدمير العدو، إنساناً وعمراناً، وإعادته الى الوراء بضع سنوات هو الغاية المطلوبة حتى ولو بقيت إرادته نظرياً غير منكسرة.
هل في وسع أميركا تدمير إيران، إنساناً وعمراناً؟ وهل في وسع اسرائيل تحقيق الغاية ذاتها في سوريا؟
ان الجواب عن هذين السؤالين يتوقف على حسابات سياسية واستراتيجية يقتضي أخذها في الاعتبار.
على الصعيد السياسي، تعاني الولايات المتحدة من كراهية متصاعدة لحكومتها ومصالحها في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في عالم الإسلام، حيث باتت متورطة في صراعات وحروب متفاوتة الشدّة وباهظة التكلفة. فلماذا تخاطر بحربٍ جديدة ضد ايران، تزداد بنتيجتها الكراهية السياسية لها والتكلفة الاقتصادية عليها؟
على الصعيد الاستراتيجي، تتفوق الولايات المتحدة على إيران عسكرياً وتكنولوجياً، فقد حشدت أساطيلها البحرية بين البحر الأحمر وبحر العرب، وفي عدادها أربع حاملات طائرات، من بينها "نيميتز" ذات القدرات النووية، ناهيك بما تحتويه قواعدها العسكرية في المنطقة من طائرات قاذفة وصواريخ مدمرة. فوق ذلك، بنت أميركا وأوروبا واليابان احتياطاً استراتيجياً من النفط يكفيها لمدة 18 شهراً. فهل هذا كله يكفي لتدمير إيران على غرار ما فعلته بالعراق، أي لإعادتها عقداً أو عقدين الى الوراء؟
يقتضي الإقرار، أولاً، بأن إيران تتفوق أساساً على العراق في المساحة الجغرافية والتعدد البشري والقدرات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والموقع الاستراتيجي والتأثير المعنوي والسياسي. ثم إن إيران متقدمة جداً على صعيد الأسلحة الصاروخية، الدفاعية والهجومية، وقادرة تالياً على إلحاق الأذى والضرر بقوات أميركا ومصالحها ولا سيما بمصالح حلفائها الإقليميين الذين قد يتورطون الى جانبها في الحرب. وإذا كان في مقدور أميركا تدمير قاعدة إيران الصناعية، بعضها أو كلها، وجزء من منشآتها النووية المنظورة (مفاعل بوشهر) فإن في وسع إيران إلحاق الأذى بقواعد أميركا العسكرية في المنطقة، وبقطع أساطيلها البحرية، وبمصالحها النفطية، بالإضافة الى قطع إمدادات النفط ما يتسبب في زيادة أسعاره بمعدلات عالية جداً، وبالتالي إعاقة الاقتصاد العالمي. غير أن الأهم والأخطر من ذلك كله هو السؤال المفتاح: من يضمن ان تتمكن اميركا من إخضاع إيران وإنهاء الحرب في 18 شهراً؟ أليس درس العراق وافياً للاستنتاج بأن حرباً أميركية على إيران قد تجرّ المنطقة كلها الى أتون صراعات مدمرة قد تطول عقداً أو عقدين؟ وهل تتكافأ النتيجة مع التكلفة الباهظة؟
ما ينطبق على اميركا في حرب محتملة ضد إيران ينطبق الى حد بعيد على اسرائيل في حرب محتملة قد تشنها على سوريا من أجل استعادة هيبتها الردعية، كما أعلن وزير حربها الجديد ايهود باراك، ولمحاولة إنهاء المقاومة اللبنانية كما يحلم قادة العدو. فالتكلفة ستكون باهظة، ولن تتكافأ مع الغاية المرتجاة. ذلك أن سوريا تمتلك عشرات ألوف الصواريخ القادرة على إصابة اسرائيل من أقصاها الى أقصاها، وإلحاق الأذى بإنسانها وعمرانها، ناهيك بإسهامها في دق مسامير عدة في نعوش فئات حاكمة متحالفة مع أميركا علناً أو غير معادية للكيان الصهيوني ضمناً.
هل على نفسها ستجني براقش الأميركية والصهيونية؟
الانتقاد/ العدد 1223 ـ 13 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018