ارشيف من : 2005-2008
حرب إسرائيلية شاملة مخططة مسبقاً بدعم أميركي وغطاء عربي: مقدمات الحرب التي أريد منها التمهيد لشرق أوسط جديد
نفذت المقاومة الاسلامية عملية نوعية بتاريخ 12 تموز عام 2006 أسرت فيها جنديين إسرائيليين كانا في عداد دورية معادية تجاوزت ما يسمى "الخط الأزرق"، وخاضت مواجهات مع قوة تعزيزات كبيرة أسفرت عن قتل ثمانية جنود آخرين.. وسرعان ما اجتمع المجلس الأمني الوزاري الإسرائيلي المصغر، وأخذ قراراً بشن حرب تدميرية شعواء ضد لبنان استمرت ثلاثة وثلاثين يوماً، بعد أن أعلن قائمة بأهداف العدوان بدأت بالقضاء على حزب الله وقدراته العسكرية والبشرية، وتمهيد الأجواء السياسية والميدانية لتنفيذ القرار 1559 وتمكين حكومة السنيورة من بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية كوسيلة ناجعة للحفاظ على حدود آمنة. وبقطع النظر عن مجريات العدوان وتطوراته ونتائجه، إلا أن موضع البحث والسؤال هو هل حرب تموز 2006 جاءت كرد فعل تلقائي على عملية "الوعد الصادق"، أم أن هذه العملية لم تكن سوى مستجد ميداني استغلته حكومة أولمرت لتنفيذ مخطط موضوع مسبقاً، وكانت تنتهز الفرصة السانحة لذلك؟
لم تكن الحرب العدوانية مجرد رد فعل أو عملية انتقامية أو ردعية، وإنما كانت حربا مخططة ومبيتة تنتظر اللحظة المناسبة، كما أنها لم تنفصل عن سياق الحروب الإسرائيلية السابقة التي استهدفت لبنان والمنطقة، بل كانت حلقة ضمن مشروع إنشاء مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي نادى به "المحافظون الجدد" الذين يسيّرون الإدارة الأميركية في عهد جورج بوش الابن. وكان لا بد للوصول إلى هذا الهدف من القيام بمجموعة خطوات أساسية تبدأ من داخل الكيان الصهيوني وصولاً إلى إعادة صوغ المعادلة اللبنانية الداخلية، تمهيداً لفرض واقع جيوسياسي ـ ديمغرافي جديد في المنطقة.
المعطيات العسكرية والسياسية في فترة ما قبل العدوان كانت تشير بمعظمها إلى تحضيرات يتم القيام بها على الجبهة الجنوبية. فالمجتمع الإسرائيلي، على المستويات السياسية والعسكرية والشعبية، لم يكن قد استطاع بعد أن يستوعب صدمة الانتصار التاريخي الذي تحقق في أيار العام 2000 بتحرير معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، في ظل إصرار المقاومة الاسلامية على الاستمرار في أداء مهمتها في تحرير ما تبقى من أرض محتلة وحماية المدنيين والرد على الاعتداءات الإسرائيلية، والعمل بشتى السبل لتحرير الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال، ومن الطبيعي أن تندرج عملية "الوعد الصادق" في سياق هذه المهمة، كما سائر العمليات العسكرية التي سبقتها منذ عام التحرير.
منعطفات ثلاثة لأهداف ثلاثة
كان الأميركيون يزدادون غرقاً في وحول المستنقع العراقي، وبدأت الادارة الجمهورية للولايات المتحدة تعاني اهتزازاً في الصورة السياسية والعسكرية داخل الولايات المتحدة نفسها وخارجها، في وقت كانت مفاعيل الانتصار تؤتي أكلها في المجتمعات العربية والاسلامية، ويتردد صداها داخل فلسطين المحتلة التي فقدت رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وكانت حكومة العدو بعد غياب أرييل شارون وتولي إيهود أولمرت رئاستها تعاني من تشتت وضياع في ظل تشقق الحياة السياسية والحزبية داخل الكيان الصهيوني، أما على المستوى اللبناني فقد جاء التطور الرئيسي في الانسحاب التدريجي للقوات السورية من لبنان، وإصدار القرار 1559 في أيلول من العام 2004، بموازاة تمديد عهد العماد إميل لحود في رئاسة الجمهورية، لتبدأ سلسلة تفجيرات واغتيالات منسقة اعتباراً من مطلع تشرين الأول 2004 وصولاً إلى اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري بتاريخ 14 شباط 2005، ومهّدت هذه المنعطفات الثلاثة الرئيسية إلى ما تلاها من تطورات ساهمت بشكل عضوي في شن الحرب الإسرائيلية.
كان تنفيذ القرار 1559 في صلب الأهداف الرئيسية للعدوان ـ وهو ما تطالب قوى 14 شباط اليوم ومن ورائها الأميركيون بتطبيقه أيضاً ـ حيث نص القرار على "انسحاب جميع القوات الأجنبية المتبقية من لبنان"، ودعا "إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها.. وبسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الأراضي اللبنانية"، كما أعلن "تأييده لعملية انتخابية حرة ونزيهة في الانتخابات الرئاسية المقبلـة تجري وفقا لقواعد الدستور اللبناني الموضوعة من غير تدخل أو نفوذ أجنبي". وعلى الرغم مما يبدو من حرص دولي على لبنان في ما جاءت به بنود القرار، إلا أنها كانت تعبّر عن "أجندة" أميركية بغطاء دولي وعربي ترمي إلى تحقيق أهداف ثلاثة رئيسية هي: نزع سلاح حزب الله والمقاومة الفلسطينية في لبنان، ضمان حدود آمنة للعدو جنوباً بمحاذاة فلسطين المحتلة، والتخلص من حكم العماد لحود الذي سار بعكس التيار في مخالفة السياسة الأميركية، وتبينه خيار المقاومة جنباً إلى جنب مع الجيش اللبناني.
تدويل القرار اللبناني
شكّل القرار 1559 عنواناً عريضاً للبدء في إنهاك الساحة اللبنانية على المستوى السياسي، في وقت اندفعت الدبلوماسية الأميركية عبر أدواتها في الداخل للضغط باتجاه حصار قوى الممانعة، وعبر مجلس الأمن الدولي كغطاء لإصدار مجموعة قرارات إضافية إمعاناً في خربطة الاستقرار اللبناني، انسجاماً مع سياسة ما يسمى "الفوضى البناءة"، وجاءت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري لتوفر مظلة جديدة استغلها الأميركيون لامتلاك ورقة جديدة تحت عنوان "المحكمة الدولية"، وبدأ نسجها عبر القرار الدولي رقم 1595 في 8 نيسان عام 2005 الذي نص على تشكيل لجنة تحقيق دولية لاكتشاف قتلة الحريري، وواجهت سوريا اتهاماً سياسياً مباشراً من قبل ما يسمى المجتمع الدولي والقوى الشباطية في لبنان بالضلوع في عملية الاغتيال، وجاء قرارا مجلس الأمن رقم 1636 و1644 في سياق تشديد الحصار على سوريا وعزلها بحجة عدم تعاونها مع اللجنة الدولية، وصولاً إلى إصدار القرار 1664 في 29 آذار 2006 الذي نص على تشكيل "محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة جميع الذين تثبت مسؤوليتهم عن هذه الجريمة الإرهابية".
جاءت كل القرارات الدولية بضغط وإشراف مباشر من واشنطن، وتم الايعاز لحكومة السنيورة بإسباغ "شكلية رسمية" على هذه القرارات بحيث أنها كانت تصدر بناءً على طلب مسبق تتقدم به هذه الحكومة، ومرفقة بتمنيات وتوسلات لأن يلجأ المجتمع الدولي إلى اتخاذ ما يلزم من إجراءات يراها ضرورية، واستبطن هذا الأمر إرساء واقع جديد في إدارة الشأن اللبناني، بحيث يتم تسليم القرار الداخلي إلى المنظمة الدولية، أي إلى الولايات المتحدة التي تهيمن على القرار الدولي، وبالتالي تدويل الملفات اللبنانية كمقدمة لضرب المؤسسات الداخلية الدستورية، ولا سيما رئاسة الجمهورية والمجلس النيابي، وهو ما تبين من خلال أداء حكومة السنيورة وقوى 14 شباط، قبل وخلال حرب تموز وما بعدها، وتبدى بشكل جلي في تبدل المواقف والأداء السياسي الذي ارتدى الثوب الأميركي منذ اغتيال الحريري وصولاً إلى إفشال طاولة الحوار اللبناني، وإسقاط مبادرات الحلول اللبنانية والعربية، لأن المطلوب أميركياً كان إبقاء الساحة الداخلية في حالة اهتزاز.
حرب تموز فرصة شرق أوسط جديد
أدرج التقرير الأولي للجنة "فينوغراد" التي شكّلت لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين عن أسباب الهزيمة العبارة التالية: "كانت المرة الأولى في تاريخ الكيان الصهيوني التي يخضع فيها للفحص قرار اتضح لاحقاً أنه قرار خروج إلى الحرب.."، ويضيف التقرير، الذي ضغطت واشنطن لعدم نشره كاملاً، حرصاً على عدم انكشاف معلومات حول اتصالات إسرائيلية بشخصيات لبنانية وعربية خلال الحرب، في إحدى فقراته: "إن قرار 12 تموز كان قراراً تأسيسياً، لأن إسرائيل كانت قبله أمام قوس من الاحتمالات، من بينها احتمال الامتناع عن رد عسكري واسع وفوري، ضمن إطار سياسة الاحتواء.. تم التخلي عن هذا الاحتمال.. رئيس الحكومة شخّص وجود فرصة لوضعٍ فيه تأييد دولي لخطوات عسكرية تمس بحزب الله، وسارع إلى العمل كي يستنفدها..".
هذه الفرصة عبّر عنها الرئيس الأميركي جورج بوش لدى لقائه رئيس الحكومة البريطانية طوني بلير في واشنطن بتاريخ 27 تموز 2006، بالقول إن "هذه لحظة أساسية وجوهرية في تاريخ الشرق الأوسط". وقال بلير إن "الهدف ليس فقط وقف الاعتداءات الحالية في لبنان وإسرائيل، بل اعتماد استراتيجية للمنطقة كلها، تسمح لحكومة لبنان بالسيطرة على كامل أراضيها، وتسمح للبنان بأن يكون ديمقراطياً كما يريده شعبه". وقد كشفت مجلة "نيو ستايتسمان" البريطانية في عددها الصادر بتاريخ 4 آب 2006 أن بلير "جعل بريطانيا شريكاً في الجريمة"، وأضافت أن "إسرائيل أبلغت الرئيس بوش مسبقاً بخططها لقصف القرى الجنوبية في لبنان، وقامت الولايات المتحدة بإبلاغ بريطانيا بذلك". كما لخصت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس هذه الفرصة حينما وصفت العدوان الإسرائيلي على لبنان بأنه "آلام مخاض ستؤدي إلى ولادة شرق أوسط جديد"، واعتبرت في تصريح أدلت به بتاريخ 26 تموز2006، أن "فؤاد السنيورة يمثل إلى جانب محمود عباس ونوري المالكي مستقبل الشرق الأوسط". وتقاطع هذا الحديث مع معلومات كشفتها مصادر أميركية عن خطة أميركية لعزل سوريا عن إيران وحزب الله وإقامة تحالف مع أنظمة عربية ضد الارهاب.
لبنان جوهرة في تاج الديمقراطية
نشرت صحيفة "هآرتس" جزءاً من شهادة رئيس حكومة العدو إيهود أولمرت أمام لجنة فينوغراد، اعترف فيها بمسؤوليته عن الحرب، وقال انه "تم التخطيط لها قبل أسر الجنديين بأربعة أشهر"، كما اعترفت وزيرة الخارجية تسيبي لفني بأن حرب تموز "ليست مجرد رد على حادثة وانما محاولة لمعالجة التهديد الذي يمثله حزب الله على اسرائيل. إنها حرب وقائية معدة ومخطط لها سلفاً، وما عملية حزب الله سوى ذريعة لا أكثر". وفي هذا السياق يقول الكاتب والصحافي الأميركي "سيمور هيرش" في إحدى مقابلاته: "حصلت "إسرائيل" على ضوء أميركي أخضر خلال مؤتمر عقد في "أسبن" بولاية كولورادو حضره ديك تشيني وناثان شرانسكي وبنيامين نتنياهو وكان محور البحث دراسة مخطط لضرب لبنان. وشارك في تحضير هذا المخطط خبراء عسكريون اميركيون وآخرون إسرائيليون في آذار 2006".
ويضيف هيرش: "قال لي مستشار لدى الحكومة الاميركية تربطه باسرائيل روابط قوية، أخبرنا الاسرائيليون بأنها ستكون حربا رخيصة وستأتي بفوائد عديدة. فلماذا نعارضها؟ سنكون قادرين على اصابة الصواريخ وقذائفها والأنفاق والتحصينات تحت الارض من الجو. وسوف تكون امثولة لايران.. كما قال مستشار في البنتاغون ان البيت الابيض كان يتحرق شوقا لبعض الوقت للعثور على سبب لتسديد ضربة إجهاضية لحزب الله. كانت غايتنا تحجيم حزب الله. وها قد اصبح لدينا من يقوم لنا بذلك". وبرأي خبراء عسكريين وأمنيين إسرائيليين أن "القضايا الامنية الملحة لإسرائيل كانت سبباً كافياً لمواجهة حزب الله بغض النظر عما كانت تريده ادارة بوش. إسرائيل وضعت خطة لضرب حزب الله وأطلعت عليها مسؤولين في ادارة بوش بوقت يسبق بكثير حادثة اختطاف الجنديين في 12 تموز..".
كان لدى الادارة الاميركية عدة أسباب لدعم العدوان الاسرائيلي، وفق تقويم خبير أميركي في شؤون السياسة الأميركية حول الشرق الأوسط، حيث يقول: "كان البيت الابيض مهتما بتجريد حزب الله من صواريخه لانه كان يريد ان يتخلص من الاسلحة التي يمكن لحزب الله ان يستخدمها في الثأر من اسرائيل في حالة اعتماد الولايات المتحدة الخيار العسكري لضرب المنشآت النووية الايرانية، لقد اراد بوش الامرين معا. فهو يريد ملاحقة ايران كجزء من حملته على "محور الشر"، وعلى المنشآت النووية الايرانية، ويريد ايضا ضرب حزب الله كجزء من اهتمامه بالدمقرطة على ضوء ادراكه بأن لبنان يشكل واحدة من جواهر تاج الديمقراطية في الشرق الاوسط".
محمد الحسيني
الانتقاد/ العدد1223 ـ 13 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018