ارشيف من : 2005-2008

رئيس الحكومة والتيار الصدري..أزمة سياسية أم سوء فهم؟

رئيس الحكومة والتيار الصدري..أزمة سياسية أم سوء فهم؟

بغداد:عادل الجبوري
هيمنت التجاذبات السياسية بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والتيار الصدري الذي يتزعمه السيد مقتدى الصدر على المشهد السياسي العام في العراق، برغم ان ذلك المشهد كان خلال الاسابيع القلائل الماضية ـ وما زال ـ حافلا بجملة من الاحداث الساخنة، من بينها "ازمة" استقالة او اقالة رئيس مجلس النواب محمود المشهداني على خلفية تعرض حراسه بالضرب لاحد نواب البرلمان العراقي عن كتلة الائتلاف العراقي الموحد، و"ازمة" التعديل الوزاري للحكومة بعد سحب الكتلة الصدرية وزراءها قبل اكثر من شهر، و"ازمة" تعليق الكتلة الصدرية مشاركتها في جلسات البرلمان بعد وقوع تفجير مرقد الامامين العسكريين في مدينة سامراء في الثالث عشر من شهر حزيران/ يونيو الماضي، و"ازمة" تعليق جبهة التوافق العراقية مشاركتها في جلسات مجلس الوزراء وكذلك البرلمان على خلفية صدور مذكرة قضائية باعتقال احد الوزراء المحسوبين عليها، وهو وزير الثقافة اسعد الهاشمي، المتهم بالضلوع باغتيال نجلي النائب السني مثال الالوسي صيف عام 2005.
كل هذه "الازمات" تراجعت قليلا الى الوراء لتفسح المجال لأزمة المالكي ـ التيار الصدري لتصدر الواجهة، ولتلقي بعضا من ظلالها على جانب من تلك "الازمات".
ويبدو ان المواجهات المسلحة التي اندلعت في محافظة السماوة (270كم جنوب بغداد) الاسبوع الماضي بين عناصر من جيش المهدي، الجناح العسكري للتيار الصدري من جهة، وقوات حكومية من جهة اخرى هي التي تسببت في تأزيم الامور، حيث ان تلك المواجهات التي لم تكن الاولى من نوعها في هذه المحافظة ومحافظات جنوبية اخرى دفعت رئيس الوزراء نوري المالكي الى الادلاء بتصريحات اثارت حفيظة واستياء وغضب التيار الصدري قيادات وقواعد، واوجدت ردود افعال حادة في عموم صفوف التيار.
ولكن ما الذي قاله المالكي حتى تنزلق الامور الى ذلك المستوى الخطير؟
بحسب ما نقلته وسائل الاعلام فإن المالكي طالب في مؤتمره الصحافي يوم الجمعة الماضي (6/7/2007) بعد لقائه رئيس الجمهورية جلال الطالباني قادة التيار الصدري أن يتخذوا قرارات حاسمة بحق المسلحين الذين ينتمون للتيار، لكي لا يتحملوا المسؤولية من خلال استخدام هذا الاسم في عمليات القتل والارهاب والخروج عن القانون التي قال إنها تجري يوميا في كل مكان.
وان هؤلاء المسلحين هم ـ بحسب المالكي ـ "متلبسون وداخلون على التيار الصدري، وهم من عصابات صدامية وبعثية وعصابات سلب ونهب اتخذت من هذا العنوان وسيلة"، مشيرا بالقول الى "اننا نسمع تصريحات من مسؤولين في التيار الصدري بأنهم ضد استخدام السلاح ويدينون من يحمله، وهذا يضعنا أمام حقيقة لا بد أن نقف أمامها بشجاعة: إن كان هؤلاء يمثلون التيار الصدري، فزعماء التيار أعلنوا بصراحة البراءة، أو التخلي عن حمل السلاح بوجه الحكومة".
قياديو التيار الصدري وبرغم انهم اكدوا بأن التيار الصدري بريء من كل من يحمل السلاح بوجه الشعب العراقي، إلا أنهم اعتبروا ان تصريحات رئيس الوزراء انطوت على الكثير من الجفاء والبعد عن المسؤولية، واعتبروها بمثابة ضوء اخضر للقوات الأميركية لضرب عناصر التيار الصدري.
وقد اعتبر القيادي في التيار الصدري الشيخ احمد الشيباني في مؤتمر صحافي عقده بمدينة الكوفة التابعة لمحافظة النجف الاشرف (160كم جنوب بغداد)" ان حكومة المالكي منتهية وستشهد الايام القليلة المقبلة ذلك، وهي انتهت بالنسبة لنا كما انها منتهية بالنسبة للاحتلال". وكذلك اعلن التيار الصدري شروعه بإعداد قوائم بأسماء المقربين من رئيس الوزراء ممن وصفهم بالبعثيين والارهابيين.
التجاذبات السياسية بين المالكي والتيار الصدري، وصفها البعض بـ"الازمة الخطيرة"، بينما عبر عنها البعض الاخر بـ"سوء الفهم"، وهو التعبير الذي استخدمه القيادي في المجلس الاعلى الاسلامي العراقي رضا جواد تقي في توصيفه لما حصل. ووصفها البعض بـ"الازمة" الخطيرة لانها جاءت في وقت كانت فيه الساحة العراقية احوج ما تكون الى التهدئة وحلحلة بعض العقد في مسارات العملية السياسية، لاخراجها من عنق الزجاجة، خصوصا ان هناك حزمة قوانين معروضة على طاولة البرلمان تحتاج الى حسم قبل حلول عطلة الفصل التشريعي الثاني للبرلمان المقرر بدؤها مطلع شهر اب/ اغسطس المقبل، مثل قانون النفط والغاز، والمحافظات غير المنتظمة في اقاليم، وكذلك التعديلات الدستورية.
الى جانب ذلك فإنه بما ان المواجهة الكلامية بين المالكي والتيار الصدري جاءت في وقت اتسع فيه نطاق الحديث في دوائر اميركية وفي بعض كواليس السياسة العراقية عن وجود نية جادة لدى واشنطن بإطاحة حكومة المالكي وتشكيل حكومة بديلة لم تتبين أي من معالمها وملامحها، لذا فإن البعض اعتبر ان تصريحات المالكي تعكس حجم وطبيعة الضغوط التي يتعرض لها من الخارج ومن الداخل، وردود الفعل الحادة للتيار الصدري تعكس ادراك التيار للارضية الهشة التي يقف عليها رئيس الحكومة في المرحلة الحالية.
في مقابل ذلك فإن الفريق الاخر الذي يرى ان ما حصل لا يتعدى كونه "سوء فهم" ليس الا، قلل نوعا ما من مخاطر التصعيد، ويعتقد انه بالامكان احتواء "سوء الفهم" هذا بشيء من الهدوء والحكمة والمكاشفة والمصارحة، الذي يتفق الفرقاء بأنه يمثل في نهاية المطاف الخيار الانجع لمعالجة واحتواء ما حصل.
ويبدو ان اطرافا دخلت على خط "الازمة" للحؤول دون مزيد من التصعيد، ومن تلك الاطراف المرجعية الدينية في النجف الاشرف، وزعيم المجلس الاعلى الاسلامي العراقي الذي التقى في مشفاه بالعاصمة الايرانية طهران وفد من التيار الصدري بعد يومين من تصريحات المالكي، وكذلك رئاسة الجمهورية.
ولعل المرجح ان تنحى الامور باتجاه التهدئة وتتخذ مسارات اخرى نحو الاحتواء من دون ان يعني ذلك عودة الامور الى ما كانت عليه بالكامل، وخصوصا ان التيار الصدري يعتبر انه كان له الفضل الاكبر في ايصال نوري المالكي الى سدة الوزارة العام الماضي، لذا فإنه من الطبيعي أنه كان ينتظر منه عكس ما قاله تماما.
الانتقاد/ العدد1223 ـ 13 تموز/يوليو2007

2007-07-13