ارشيف من : 2005-2008
الكارثةالبيئية: هل من مزيد؟!
كم بلغ عدد القتلى الذين سقطوا خلال الأسبوعين الماضيين في الحروب العادلة وغير العادلة التي يشهدها عالم اليوم؟ لولا حرب العراق، لما زاد عدد القتلى في هذه الحروب على العشرات. رقم يظل بسيطاً جداً بالمقارنة مع الأرقام التالية: 700 قتيل في الهند وباكستان وأفغانستان وبنغلادش. 309 قتلى في الصين. 60 قتيلاً في المكسيك ومئات القتلى في أوروبا الغربية وعشرات القتلى في السودان. وجميع هؤلاء سقطوا ضحية الحرب الأخرى، تلك الحرب التي تدور رحاها بين الإنسان والطبيعة، والتي تمر من دون أن تحظى ولو بنزر يسير مما تستحقه من اهتمام. جميع هؤلاء سقطوا، تبعاً لاختلاف الظروف، ضحية الفيضانات والأعاصير وموجات الحر. وإليهم تضاف أعداد بالملايين من المشردين ومساحات من مئات آلاف الكيلومترات المربعة من الأراضي المغمورة بالمياه وعشرات مليارات الدولارات من الخسائر المادية. وإلى ذلك تضاف أسراب الجراد التي تنطلق حالياً، بأعداد هائلة، من إفريقيا الشرقية باتجاه الخليج وجنوب آسيا. وكل ذاك خلال الأسبوعين الماضيين. ومثل ذاك يتكرر منذ عقود، وسيتكرر أكثر فأكثر خلال الأسابيع والأشهر القادمة في ظل عدم الجرأة على الحديث عن سنوات قادمة، لأن الكوارث القادمة قد لا تفسح المجال للحديث عن سنوات قادمة. وليس في الأمر مبالغة لأن ما يجري هو، بمنتهى البساطة، فعل الانحباس الحراري، والانحباس الحراري فعل الانبعاثات الغازية، والانبعاثات الغازية تواصل الانبعاث بوتائر متصاعدة، ما يعني أن الكوارث ستتواصل بوتائر متصاعدة. عندما يتعلق الأمر بتحطم طائرة ركاب يسرع أصحاب الشركة إلى تفسير الحادث بخطأ بشري، لأن البشر يخطئون بينما تكنولوجيا الطائرات، وغيرها من أصناف التكنولوجيا لا تخطئ! أما عندما يتعلق الأمر بدمار الكرة الأرضية وما عليها من بلاد وعباد، فإنهم لا يتكلمون عن الخطأ البشري إلا بصوت لا يكاد يسمع. وإذا ما تكلموا عنه، فإنهم يلقون التبعة على الصين والهند وعلى العالم الثالث لأن كثيراً من الناس ما زالوا يوقدون الحطب في الاستخدامات المنزلية. ويغضون الطرف عن المصانع الضخمة والمفاعلات النووية والسيارات والطائرات وأجهزة التدفئة والتبريد التي تعج بها البلدان الصناعية الأكثر تقدماً. ويخرجون عن الموضوع، عبر التغطية على الحرائق الكبرى التي تلتهم العالم، بالحديث عن مشاريع الدول الصناعية الكبرى لاستحداث طاقات بديلة ونظيفة. مشاريع موعودة للعام 2020 وأحياناً للعام 2050! وعندما تعقد الاتفاقيات الدولية بهدف التخفيف من وطأة الكارثة، يرتفع صوت الرئيس الأميركي بالرفض لأنه لا يريد إخضاع الصناعة الأميركية لأية قيود، ولا يقبل بكل ما قد يشكل مساساً بـ"نمط العيش الأميركي"، أي بالذات، ذلك النمط الآخذ في اكتساح العالم بسرعة الاتصالات، وبالذات، ذلك النمط المسؤول عن الكارثة البيئية. وعندما تنعقد الندوات التلفزيونية هنا وهناك من اجل "تثقيف" الناس في موضوع الكارثة البيئية، يتبارى المدعوون من "الاختصاصيين" في التعمية على المشكلة عبر الحديث عن "ترشيد" استخدام الكهرباء (لا يكاد يخلو أي مكان في العالم من مشكلة النقص في إمدادات الكهرباء)، وعبر الحديث عن ضرورة إطفاء محرك السيارة في "موقف اللحظة"، أو عن ضرورة الإقفال المحكم لصنبور المياه منعاً لتسرب بعض النقاط... وبين هذا وذاك، يستمر تفاقم المشكلة وتستمر العبثية البشرية المفتوحة على العدمية في التعامل البشري مع المشكلة. المطلوب هو صحوة عالمية سريعة. والعبث كل العبث هو في انتظار حلول تأتي من أصحاب القرار، لأن اصحاب القرار يقررون ما يقرره لهم أصحاب الصناعات والتجارات ممن يتعيشون على النمط الاستهلاكي، على "نمط العيش الأميركي" المعولم. والجد كل الجد هو ليس في استحداث نمط جديد على ما يروج له أصحاب العقائر المرتفعة بالأحاديث عن الإبداع، بل هو في نفض الغبار عن نمط العيش الملائم لمقتضيات الوجود البشري المتواضع وغير الفاسد والمفسد. ولعمري أن هذا النمط موجود، لكنه مهجور، يتعامل معه الناس "ظهرياً" لأنه يتعارض مع النماط المستحدثة من "الشهوات" التي نجح نمط العيش الأميركي في فرضها على عالم يظن أنه بات، في الاستهلاك، ذا حظ عظيم، بينما يقوده الاستهلاك إلى حتفه الكارثي.
ع ـ ح
الانتقاد/ العدد1223 ـ 13 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018