ارشيف من : 2005-2008
ساركوزي في الجزائر: ولايات متحدة متوسطية، أيضاً!
بعد أسابيع قليلة من وصوله إلى الإليزيه، حرص الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على أن يكون شمال إفريقيا هو المكان الذي يخصه، خارج أوروبا، بزيارته الأولى. وكان ساركوزي قد قام بخطوة اولى تجاه شمال إفريقيا وحقق انفتاحاً فرنسياً تاريخياً تجاه ليبيا عندما اتصل بالرئيس الليبي، وأعلن عن دعم فرنسا لمشروعه الخاص بإنشاء الولايات المتحدة الإفريقية، وذلك في محاولة للاستفادة من علاقات طرابلس مع بلدان إفريقيا ونفوذها المالي من أجل إعادة الحياة إلى العلاقات الفرنسية الإفريقية، بعد سنوات من التدهور لأسباب جيوسياسية مرتبطة بتنامي الوجودين الأميركي والصيني في القارة السمراء، وخصوصاً للطابع الشخصي الذي غلب على هذه العلاقات خلال اثني عشر عاماً من حكم الرئيس شيراك. وبعد هذا الانفتاح على ليبيا، كان من المفترض أن تشمل زيارة الرئيس الفرنسي كلاً من الجزائر والمغرب وتونس، غير أن الزيارة التي كانت مقررة للمغرب ألغيت، في اللحظة الأخيرة، من قبل الطرف المغربي، وسط تبريرات فهم انها على صلة برفع درجة التأهب تحسباً لعملية إرهابية... لكن المراقبين يؤكدون أن الإلغاء قد جاء كرد فعل مغربي على توجهات الرئيس الفرنسي الجديد والتي جاءت مختلفة عن تلك التي كانت قائمة مع الرئيس شيراك الذي كان أكثر اهتماماً بتوطيد العلاقات الشخصية مع الزعماء المغاربة، ولكن أيضاً بسبب خشية المغرب من تراجع ساركوزي عن سياسة شيراك التي كانت تؤيد وجهة النظر المغربية بخصوص الخلاف الجزائري ـ المغربي حول الصحراء الغربية. ويبدو أن ابتداء ساركوزي بزيارة الجزائر كان السبب المباشر الذي اثار استياء المغرب الذي كان من المتوقع أن تحتل زيارته الشطر الأكبر من الوقت المخصص لجولة ساركوزي على البلدان الثلاثة.
وعلى الرغم من العواقب السلبية التي قد يؤدي إليها الاستنكاف المغربي، وبالنظر إلى سهولة العلاقات مع تونس، وهي علاقات لا تشوبها غير ملابسات على صلة بما يقوله المراقبون عن تردي أوضاع حقوق الإنسان وفرض نظام بوليسي من قبل الرئيس بن علي، فإن الرئيس الفرنسي بدا، بشكل واضح، أكثر اهتماماً بالجزائر، وخصوصاً بالشراكة الاقتصادية معها بالنظر إلى أهميتها كبلد كبير وغني بطاقاته البشرية وبموارده الطبيعية وفي مقدمتها النفط والغاز. لذا، برز في تصريحات ساركوزي سعيه الواضح إلى تجاوز المشكلة الناشبة بين فرنسا والجزائر بخصوص معاهدة الصداقة المتعثرة بين البلدين. فقد كان من المفترض أن يتم التوقيع على هذه المعاهدة عام 2005، لكنها لم تبصر النور حتى الآن بسبب الاستعمار الفرنسي للجزائر ومطالبة هذه الأخيرة باعتذار فرنسي عن الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الجزائري. لكن فرنسا شيراك رفضت تقديم الاعتذار وإن كانت قد وافقت على إلغاء نص في الدستور يمجد الجنود الفرنسيين الذين شاركوا في حرب الجزائر. وقد دفع ذلك بالرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، العام الماضي، إلى الإدلاء بتصريحات قال فيها، على خلفية تراجع العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، بأن الـ130 عاماً من الوجود الفرنسي في الجزائر كانت من أشكال الاستعمار الأكثر همجية. سبب إضافي لإصرار ساركوزي على عدم تقديم الاعتذار معتبراً أن الطرف الفرنسي له مطالبه أيضاً، في إشارة، على ما يبدو، إلى "حقوق" مئات الألوف من المستوطنين الفرنسيين الذين تم إجلاؤهم عن الجزائر بعد الاستقلال والذين ما زالوا يتحدثون عن الجزائر بصفتها وطنهم "السليب". لكن ما يركز عليه ساركوزي أكثر من ذلك هو اعتقاده بأن الصداقة أكثر أهمية من معاهدة الصداقة، وبأن الأولوية يجب أن تعطى للإجراءات الملموسة باتجاه تعميق هذه الصداقة. وعلى كل حال لا يبدو أن عدم اعتذار فرنسا قد شكل عائقاً أمام زيارة ساركوزي وأمام طموحه إلى عرض مقترحاته على المسؤولين الجزائريين. وتتلخص هذه المقترحات بالدرجة الأولى برغبة ساركوزي في إقامة اتحاد متوسطي يضم بلدان أوروبا الجنوبية وبلدان إفريقيا الشمالية يكون قابلاً للتوسع ليضم تركيا في مرحلة أولى (تعويضاً لها على رفض فرنسا انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي)، ثم سوريا ولبنان و"إسرائيل"، في مرحلة ثانية، على ما تصل إليه طموحات ساركوزي التي لا يبدو أنها تقف عند الحدود المعقولة. وبالدرجة الثانية في إقامة شراكة فرنسية ـ جزائرية في مجال الطاقة تشتمل على صيغة شراكة بين الشركة الفرنسية للكهرباء وبين شركة سونتراك الجزائرية العاملة في مجال النفط والغاز، كما تشتمل على تعاون في المجال النووي السلمي، مع الإشارة إلى التصريح الذي قال فيه ساركوزي، بالمناسبة، بأن الطاقة النووية لا يجب أن تبقى حكراً على بعض البلدان الصناعية، بل يجب أن يتم تقاسمها مع البلدان النامية. هل يعني ذلك شيئاً في ما يتعلق بالموقف الفرنسي من الملف النووي الإيراني السلمي؟ لا بد من الانتظار لمعرفة الإجابة. هنالك أيضاً ملفات أخرى تتعلق بإمكانية حصول الجزائر على أسلحة فرنسية، وبمسائل الأمن ومكافحة الإرهاب وتنظيم الهجرة، إضافة إلى ملفات تجارية واستثمارية أخرى بين كل من الجزائر وتونس، من جهة، وفرنسا، من جهة أخرى، بوصفها الشريك التجاري الأول لهذين البلدين. لم يرشح شيء، باستثناء التوقيع على بعض العقود التجارية، عن اتفاقات كبرى حول الملفات الأساسية، لكن ساركوزي سيعود إلى المنطقة في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، ربما لاستدراك الخلل الذي حال دون ذهابه إلى المغرب. لكن، هل يمكن تدارك هذا الخلل في ظل الخلاف الجزائري ـ المغربي حول الصحراء، وخصوصاً في ظل حرص ساركوزي على تجنب الادلاء بأي تصريح حول هذه المشكلة؟ الأفق لا يحمل إشارات مشجعة في ظل تصلب الموقفين الجزائري والمغربي، تصلب أضيف إليه عنصر جديد عندما صرح رضا مالك، وزير الداخلية الجزائري السابق، المعروف بأن آراءه تعكس الموقف الجزائري الرسمي تجاه مشكلة الصحراء، بأن الجزائر ستحكم على ساركوزي تبعاً لموقفه من هذه المسألة. أغلب الظن أن ساركوزي الذي تجاوز مشكلة الإصرار الجزائري على الحصول عن اعتذار فرنسي، لن يعجز عن تجاوز الفيتو المتبادل حول مشكلة الصحراء، وأن ساركوزي الذي نجح في تجاوز أزمة الاتحاد الأوروبي عن طريق صيغته الخاصة باتفاقية مبسطة، لن يفشل في تحقيق صيغة مشابهة فيما يتعلق بالاتحاد المتوسطي. مبسطة لكنها تظل، في الإطار المنظور، كافية لتمرير ما أمكن من طموحات مشتركة تحت سقف ما تقتضيه التبادلات النيوليبرالية.
الانتقاد/ العدد1223 ـ 13 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018