ارشيف من : 2005-2008
... زمن الانتصارات
يشرّع الكلام على الذكرى الأولى لحرب تموز 2006 الباب واسعاً للحديث عن الكثير من القضايا الهامة والاستراتيجية، تزدحم العناوين وتتفرع المعلومات وتتشابك التفاصيل وتتعقد.. المقاومة والتوازن، قدرة الردع، الوحدة الوطنية، المناعة الداخلية، حرب الأدمغة والتقنيات، الخسائر البشرية والمادية، وكلفة الإعمار.. وصولاً إلى احتمالات الحرب المقبلة!
لكن العنوان الأبرز والأكثر سطوعاً كان وسيبقى عنوان النصر، النصر العزيز الخالص النقي من أي شائبة.
منذ انتهاء الحرب وحتى الآن دبِّجت مقالات وأبحاث كثيرة، عكفت مراكز الدراسات وقيادات الأركان والمدارس العسكرية والكليات الحربية على إجراء تقويمات معمّقة واستخلاص نتائج مكثفة لهذه الحرب، معانٍي ودلالات وتأثيرات على مجمل المنطقة والعالم، لأن هذه الحرب قد أحدثت ثورة مفاهيم جديدة، وقلبت معادلات عديدة، كان سبق أن تم الركون اليها والارتكاز عليها كثوابت ومسلّمات لا تقبل النقاش.
ولأن هذه الحرب قد زرعت الأمل لدى الكثيرين الذين يعانون من الاحتلال ويرزحون تحت أغلال ظلمه واضطهاده بإمكانية مقارعة الظالمين وإلحاق الهزيمة بهم.
لقد طلع فجر جديد مشرق من حرب تموز عام 2006، فجر أشرق على اللبنانيين والعرب والمسلمين والمستضعفين في الأرض بالنصر والعزة والكرامة والحرية والمجد، لقد ترسخت صورة حزب الله أكثر وأكثر كرمز للمقاومة والحرية وكرامة الإنسان بما يتجاوز الإطار اللبناني والعربي والإسلامي، وقد أدخلته هذه الحرب وما نتج عنها في إطار العالمية. إذ أصبح عابراً للطوائف والأتنيات والأديان والانتماءات السياسية، ليصبح أمثولة إنسانية للحرية والكرامة تتفاعل معها الشعوب من كل عرق ولون ودين، ولقد شهدنا العديد من النوادر التي حدثت، وأخبرنا بمثيلاتها التي حصلت في أربع رياح الأرض. هل يكفي أن نضرب مثلاً عن الايرلنديين الذين رفعوا أعلام حزب الله في صدور بيوتهم وعلى سطوحها، أم بعض المسؤولين الهنود السابقين من غير المسلمين الذين هللوا وكبّروا لدى رؤيتهم للصاروخ الذي بشّر به قائد المقاومة الأمين العام لحزب الله بأنه في هذه اللحظات يغرق البارجة الحربية الصهيونية "ساعر" على شاشات التلفزة.
هل نتحدث عن آلاف الاتصالات للعرب والمسلمين من المغرب العربي إلى اندونيسيا الذين أحسوا بطعم جديد للعزة والكرامة، فبدأوا يتشاوفون تيهاً وفخراً ويعلنون انتسابهم لهذه المقاومة، في حين كان ينالها الكثير من سهام الشك والتآمر من بعض الداخل الحكومي، وكثير من النظام العربي الرسمي ومعظم العالم الغربي.
إن أهمية نصر تموز أنه جاء وسط كل هذا الدعم الدولي العميم، والمباركة العربية، وتآمر الداخل اللبناني، ليؤكد أنه نصر إلهي بامتياز، لأن ما يريده الله لا تغيره إرادة كل البشر.
كان لله عباد في حرب تموز أرادوا فأراد، وكعادته حزب الله كان بالغ الترفع والتسامي والتواضع، فلم تأخذه نشوة النصر وفتنة الغرور، فأهدى نصره كما في العام 2000 للبنان واللبنانيين والعرب والمسلمين وكل المستضعفين، ولم يقايض نصره بأي ثمن سياسي أو مادي، بل أراده خالصاً لوجه الحق ليضخ المزيد من المنعة في داخل الجسد اللبناني المثخن والمتهالك.
ولكن العدوان الذي توقف عسكرياً، استمر سياسياً وبلا هوادة للتضييق على هذا النصر ومحاصرته في أضيق دائرة، لأنه تسبب بالفضائح للكثير من الحكومات والأنظمة، وأسقط ورقة التوت عن سوأة ارتهانها وعمالتها وتآمرها، فكان لا بدّ من أمر عمليات أميركي مدعوم بمدد عربي تنفذه أدوات داخلية، لتحدث هذه الانقسامات السياسية الحادة في الداخل اللبناني، وليطغى حديث الفتنة والخوف منها على أي حديث آخر.
واليوم تطلع أصوات كثيرة تنذر بحرب جديدة يشنها العدو الإسرائيلي على لبنان. وفي الأرجحيات أن الوضع الإسرائيلي الداخلي لا يسمح للعدو أن يمتلك ترف التفكير في مثل هذه المغامرة، وهو المنصرف بكليته إلى إعادة بناء وترميم وحدات جيشه المنهارة معنوياً ومادياً. ولكن في كل الاحتمالات، فإنه إذا كان للحرب أن تتكرر لأي سبب فإن هناك ألف سبب وسبب ليتكرر النصر الإلهي.
منذ العام 2000، بل منذ العام 1982 أي بعد استيعاب صدمة الاجتياح الصهيوني والمقاومة في خط بياني تصاعدي، والعدو في مسار انحداري واضح، وبعد العام 2000، بعد حرب 2006، بشّرنا قائد المقاومة السيد حسن نصر الله بأن زمن الهزائم قد ولّى إلى غير رجعة، وعندما لا يعود هناك مكان للهزيمة في قاموسنا نكون قد دخلنا فعلاً في زمن الانتصارات.
ابراهيم الموسوي
الانتقاد/ العدد1223 ـ 13 تموز/يوليو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018