ارشيف من : 2005-2008
النجاح بمنظار أميركي
| "لقد شاهد العالم كيف رفع مواطنو لبنان راية ثورة الأرز وطردوا المحتلين السوريين، واختاروا قادة جدداً في انتخابات حرة، نقول للذين يتوقون إلى الحرية من دمشق إلى طهران، أنتم لستم مقيدين ببؤسكم إلى الأبد، لن تحتجوا بعد الآن بصمت، العالم الحر يسمعكم، أنتم لستم وحدكم، أميركا تمد يد الصداقة لكم، نحن نعمل من أجل اليوم الذي يمكننا أن نرحّب بكم في عائلة الدول الحرة. ان النجاح النهائي للعراقيين والأفغان سيلهم الآخرين الذين يريدون العيش بحرية". |
|
من كلمة للرئيس الأميركي جورج بوش في الذكرى الخمسين لتأسيس المركز الاسلامي في واشنطن. |
ولكن المضحك المبكي في الموضوع أن يفترض جورج بوش بالناس مستوى من السذاجة والجهل يمكنه من محاولة تمرير هذه الأكذوبات وتغليفها ببعض العبارات المنمّقة خدمة لصدقية متوهمة مدعاة، والمؤسف أكثر أن أمة كبيرة مثل الأمة الأميركية تُولّي عليها من يكون في هذا المستوى من الصفاقة والغباء، فيفترض وجود منسوب من الغباء لدى الجمهور العالمي يمكنه من فرض سياسات وخطط غبية أصبحت مفضوحة تماماً لفرط تكرار السيناريوهات الأميركية المماثلة في غير مكان من العالم.
مهما يكن، ينبغي التعامل بجدية وحذر وحساسية مفرطة أيضاً مع كلام بوش. لأنه وإن استند إلى منسوب مرتفع من الوهن والوهم، إلا أنه ما زال يصدر عن امبراطورية تمتلك أن تفعل الكثير من التخريب، وهي في طريق هروبها من مأزقها المتفاقم في العراق. الموجة الأميركية التي ضربت المنطقة بزلزال الدمار والقتل في طريق الانحسار، لكن هذا الانحسار ليس ضمانة أبداً لمستوى أقل من العنف، لا بل إنه قد يكون سبباً مباشراً لمزيد من المجازر وأعمال العدوان الانتقامية، بعد أن أسقط في يد الادارة الاميركية، ولم يعد للاحتلال أي فرصة لتحقيق ولو إنجازاً جزئياً يحفظ ماء الوجه، وللتذكير فإن المدرستين الاميركية والصهيونية واحدة في هذا المجال.
وتكفي الإشارة إلى أمثولة حرب تموز، إذ وبعد تأكد الاحتلال الصهيوني من فشل عدوانه كانت الساعات والأيام الأخيرة للعدوان الأكثر تدميراً (ما يزيد على المليون قنبلة عنقودية ألقيت في الساعات الـ72 الأخيرة لعدوان تموز).
المهم أن بوش ما زال يأتي على ذكر "ثورة الأرز" برغم أن مبتدعيها أنفسهم لم يعودوا يصدقونها، ويضحكون فيما بينهم لدى سماع من يتكلم بها، ولكن يبدو أن الرئيس الأميركي معني فقط بإطلاق الشعارات وتردادها ببغائياً من دون الالتفات كثيراً إلى المجريات الحقيقية على الأرض، وما رفض إدارته الصريح والعلني لتقرير بايكر ـ هاملتون إلا الدليل على ممارستها لسياسة الصمم السياسي التي لا تلائم أبداً الحد الأدنى المطلوب للبدء بمعالجة المأزق الكبير.
الأغرب في كلام بوش حديثه عن النجاح في أفغانستان والعراق، فيما جهابذته في السياسة والعسكر يبحثون له عن أي مخرج من الأزمة التي أوقع نفسه فيها.
لجورج بوش أن يتغنى بكل "ثورات" العالم وثيرانه أيضاً!.. ولكن نيران المقاومة في أفغانستان والعراق مروراً بلبنان وصولاً إلى فلسطين ستجعل صيف قواته جحيماً حقيقياً، وكذلك فإن مستوى الممانعة الذي أنتجته هذه المقاومات الشريفة في جسم الأمة أصبح على مستوى عالٍ من التبلور ما يمكن تثميره بنجاح في إحباط مؤامرات واشنطن وحلفائها وأدواتها الصغار.
أما الأحاديث عن الحرية والديموقراطية والانتصار التي يتبجح بها ساكن البيت الأبيض فلا تعليق عليها إلا الأرقام السوداء التي تضج بها صفحات أيامنا الحاضرة وذاكرتنا القريبة والبعيدة عن الشرور والمفاسد التي جلبتها معها واشنطن حيث وطئت قدماها أو نصّبت حلفاءها وأزلامها.
واذا كانت مقاييس النجاح لدى الإدارة الاميركية على شاكلة النماذج التي أوردها بوش، فيبدو أننا سنحتفل بهذا النجاح أكثر بكثير مما سيحتفل به بوش وحلفاؤه!
إبراهيم الموسوي
الانتقاد/ العدد1221 ـ 29 حزيران/مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018